مقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٩٣أي: كمَا أَنَّ الإِسلاَم شَرط لصحَّة العباداتِ الشَّرْعية، كَذَلِكَ الختانُ شَرط لصحَّتها أَيْضًا، فلا تَصحّ عبادة من أقلف إِذَا كَانَ قادرًا عَلَى الاختتان، كمَا لاَ تصحُّ عبادة من مُشرِك أبدا، فإن لَمْ يَقدِر عَلَى الختان عُذِر، ولا يَكُون مَعذورا عن الختان إِلاَّ إِذَا خاف عَلَى نفسه التلَف بسبب ذَلِكَ، فإن أسلم مُشرِك غَير مُختَتن واعتذر فِي عدمِ الاختتان بعذرٍ يَخشى فِيه عَلَى نَفسه الهلاك، وظَهرت أمارَة صِدقة عَلَى ذَلِكَ قُبِل منه اعتذاره، وصارَ من المسلمين، له ما لَهُم وعليه ما عَلَيهم، إِلاَّ فِي أَحكَام مَخصوصة يأتي ذكرها قريبا إن شاء الله تَعَالىَ.
وبِهذا الحال فَارَق الاختتانُ الإِسلاَم، فإنَّ الإِسلاَم لا يسقط عن أحد أبدًا، فمَن لَمْ يقدر عَلَى إظهارِه بلسانه لتقيَّة لِخوف يَراه وَجَبَ عَلَيه التَّصدِيق بِجنانه، وذَلِكَ هُو الإِسلاَم فِي حقِّه، قَالَ الله تَعَالىَ: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾.
وفارقَ الختانُ الإِسلاَم بوجه آخر أَيْضًا، وهو أَنَّ الختان فرع عَلَى الإِسلاَم كسائر الفرائض، فَالختان وإن فُعل مع الشرك لا يَكُون مثابا عَلَيه، كما لا يُثاب الْمُشرِك عَلَى فعلِ العبادات، فَهُوَ من خصالِ الإِسلاَم وإن تَحلَّى بِها بَعض الْمُشرِكين.
وبالْجُمْلَة فالْختان قَد فارق الإِسلاَم بوَجهَين: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الختان يسقط عِندَ العذر، ولا يُعذَر الْمُشرِك بترك الإِسلاَم فِي حال من الحال.
وثانيهما: أَنَّ الختان فرع عَلَى الإِسلاَم، والإسلام أصل له، وَالفرقُ بَين الأصلِ والفرع ظاهرٌ وإن تشاركا فِي بَعض الأَحكَام.