الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٢٠٦وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : «لَقَد هَمَمتُ أَن آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَتُقَامُ ثُمَّ آمُر رَجُلاً فيُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ أَنطَلِقُ مَعِي رِجالٌ مَعَهُم حزَمٌ مِن حَطَبٍ إلَى قَومٍ لاَ يَشهَدُونَ الصَّلاَةَ فَأحرِقُ عَلَيْهِم بُيُوتَهُم بِالنَّارِ».
وبِما روي أن ابن أمّ مكتوم قال: يا رسول الله، إنِّي ضرير شاسع الدار ولا قائد لي، فهل لي من رخصة أصلِّي في بيتي؟ فقال له النَّبِيّ - عليه السلام - : «هَل تَسمَعُ النِّدَاءَ؟» قَال: نعم. قَال: «فَأَجِب» وأمر - صلى الله عليه وسلم - أن يشدَّ له حبل إلى الْمَسجِد.
وبقوله - صلى الله عليه وسلم - : «مَن سَمِعَ الندَاءَ فَليُجِبْ، وَمَن لَم يُجِب فَلاَ صَلاَةَ لَه إِلاَّ مِن عُذرٍ».
قال أبو سعيد: وَإِذَا ثبت أَنَّهُ لا عذر للمتخلِّف عنها مع قيام النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بِهَا لَمْ يجز غير ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لا يَكُون أحد أقوم منه بِها.
احْتجَّ القائلون: بأَنَّها سنَّة بقوله - صلى الله عليه وسلم - : «صَلاَةُ الْجَمَاعَةِ أفضَل مِن صَلاَةِ الفذِّ بِخَمسٍ وَعِشرِينَ دَرَجَة». وفي رواية: «بِسَبعٍ وَعِشرِينَ دَرجَة». قالوا: فقوله: «أفضَل» يقتضي جواز الأمرين، إذ الْمُفاضلة تقتضي ذَلِكَ.
قال مُحَشِّي الإيضاح: بل الْحَديث يقتضي فضيلة في صَلاَة الفرد لِمقتضى "أفعل التفضيل" الاشتراك في الأصل مع التفاضل في أحد الْجَانِبين. ولو كَانَت الْجَمَاعَة شرطا أو ركنا لَما صحَّت صَلاَة /295/ الفذِّ وَلَمْ يكن فيها فضيلة، وقد ثبت الفَضْلُ فثبتت الصِحَّة وانتفت الشرطية والركنية. اهـ.
والْجَوَاب عن احتِجَاج القائلين بأَنَّهَا فَرض عين: أَمَّا قوله تعالى: ﴿فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ﴾ فلأَن تَدُلُّ عَلَى الكفاية أظهر من أن تَدُلُّ عَلَى الأعيان؛ لأَنَّ كُلّ وَاحِدَة من الطائفتين قامت مقام الأخرى.