الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٢٢٥قال ابن مسعود - رضي الله عنه - : "إِذَا أدركت ذَلِكَ الزمان فكفَّ يديك ولسانك عن الْمعونة". قال: "وكن كابن لَبون لا ظَهر فيركب، ولا ضرع فيحلب". قال: "وكن كَحِلسٍ مِن أحلاسِ بَيتك، وَاعتزِل الناسَ ومَا هم فيه". وقال أيضا: "ألاَ ففرُّوا من الفتنة كَما تفرُّ الوحوش بأَولاَدها، ألاَ فَالْحَذر ثُمَّ الْحَذر، فَإِنَّه لن يَنجو من الفتنة إِلاَّ مَن ضاجع الذلِّ، ولأَن يقال لك: ذليل، خير من أن يقال لك: إنَّك من أصحاب السعير. /313/
وفيه أن الأحاديث مطلقة ولا يكفي كَلاَم ابن مسعود لتقييدها.
سَلَّمنَا، فكَلاَم ابن مسعود ليس في ترك الْجماعات للصَّلاَة، وَإِنَّمَا هو في الكفِّ عن الفتنة، وهو مسلَّم عِنْدَ الكُلّ، إذ لا يَجُوز الدخول في الفتنة إجماعا.
سَلَّمنَا، فغاية ما فيه سقوط الوجوب لِحضور الْجَمَاعَة في الزمان الذِي يخاف الإنسان فيه عَلَى نفسه أو دينه، فهو كأحد الأعذار الْمُبِيحة لترك الْجَمَاعَة، فمن أين ثبت تفضيل الترك عَلَى الْحُضُور؟!، والله أعلم.
وأجاب الغزالي عن الآيتين: بأنَّ الْمُرَاد تفرّق الآراء واختلاف الْمذاهب في معاني كتاب الله وأصول الشريعة، والْمُرَاد بالألفة نزع الغوائل من الصدور، وهي الأسباب الْمثيرة للفتن الْمحرِّكة للخصومات.
وفيه أن الآيتين غَير مقصورتين عَلَى ما ذكر، فَإِنَّهما يدلاَّن عَلَى ذَلِكَ بالعبارة وعلى منع تفرُّق الأجسام بالإشارة.
ثُمَّ إِنَّه لا يتأتَّى الائتلاف القلبي مع تفرُّق الأشخاص، وليت شعري متى يتيسَّر ذَلِكَ وهم لا يعرف بعضهم بعضا، ويفرُّ أحدهم من الآخر فراره من السبع.
ثُمَّ إنَّ حال الرسل في ابتداء أمرهم شاهد لتفضيل الْخلطة، فَإِنَّهم يبعثون في قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر فيُكلَّفون الْمُقَام بينهم عَلَى شدَّة تأذِّيهم، فلو كَانَت العزلة خيرا لاختارها ربُّنا تعالى لصفوته من خلقه.
فإن قِيلَ: للأَنبِياء حكم يَخصّهم بِخِلاَف غيرهم.