الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٢٢٨وَمِنهَا: قول رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عامر الْجهني لَمَّا قال: يا رَسُول الله، ما النجاة؟ قال: «لِيَسَعكَ بَيتُكَ، وَأَمسِك عَلَيكَ لِسَانَكَ، وَابكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ».
وروي أَنَّهُ قيل لرَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : أيُّ الناس أفضَل؟ قال: «مُؤمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفسِهِ وَمَالِه في سَبيلِ الله تَعَالَى». قِيلَ: ثُمَّ مَن؟ قال: «رَجُلٌ مُعتَزِلٌ فِي شِعَبٍ مِن الشعابِ يَعبُدُ ربَّهُ وَيَدَع الناسَ مِن شَرِّه».
وَأُجِيبَ: بأنَّ ذَلِكَ لا يُمكِن تنزيله إِلاَّ عَلَى ما عرفه - صلى الله عليه وسلم - بنور النبوَّة من حاله، وأن لزوم البيت كَانَ أليق به وأسلم له من الْمخالطة، فَإِنَّه لَمْ يأمر جَمِيع الصحابة بذَلِكَ، وربّ شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة، كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يَخرج إلى الْجِهَاد.
وذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلَى أن ترك الْجِهَاد أفضَل، وفي مُخالطة الناس مُجَاهِدة ومقاساة، قال - صلى الله عليه وسلم - : «الذِي يُخَالِطُ الناسَ وَيَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم خَيْرٌ مِنَ الذِي لاَ يُخَالِطُ الناسَ وَلاَ يَصبِرُ عَلَى أَذَاهُم». وهذا نصٌّ في تفضيل الْخلطة عَلَى العزلة.
ثُمَّ إنَّ جَمِيع ما تَمسَّك به الْمختارون للعزلة لا يفيد الاعتزال في كُلِّ شيء، وَإِنَّمَا يفيد الاعتزال عن الفتنة ومقاساة الشرور، فتبقى أدلَّة الاجتماع في مواضع الْخَيرات سالِمة /317/ من الاعتراض.
ولو لَمْ يكن لنا في تفضيل الْخلطة إِلاَّ قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ لكفى بِهَا دليلا عَلَى الْمطلوب، إذ يتعذَّر التعاون إِلاَّ بالاختلاط والاجتماع.
ثُمَّ إِنَّه تعالَى نَهى عن التعاون عَلَى الإثم والعدوان، وذَلِكَ هو موضع الاعتزال الذِي ورد الْحثُّ عَلَيْهِ في بعض الأحاديث فلا تعارض والله أعلم.