الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٢٣٤وَأَمَّا القائلون: بتقديم الأفضَل فَإِنَّهم جعلوا الْحَديث فيما إِذَا استووا بالفَضْل، وتفاوتوا في القراءة فإن الأقرأ هنالك مقدّم. وَأَمَّا إِذَا تفاوتوا في الفَضْل والقراءة معا فالأفضَل مقدّم لتقديمه - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر مع قوله: «أَقرَأُكُم أُبَيّ» وذَلِكَ آخر العهد منه - صلى الله عليه وسلم - فَالعمل به أَوْلَى.
وقد تَقدَّم أن في بعض الروايات عنه - صلى الله عليه وسلم - : «وَلْيَؤُمَّكُمَا أَفْضَلُكُمَا».
وَأَمَّا قوله - صلى الله عليه وسلم - : «فَأَقدَمهُم هِجرَةً» فَمعناه أقدمهم انتقالا من مكَّة إلى الْمَدينة قبل الفتح، فَمن هاجر أَوَّلا فشرفه أكثر مِمَّن هَاجر بعده، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ…﴾ الآية. والْهجرة اليوم منقطعة، لكن الْمعتبر الْمعنوية وهي الْهجرة من الْمعاصي، فيَكُون الأورع أَوْلَى.
وقال الطيبي من قومنا: الْهِجرة اليوم منقطعة، وفضيلتها موروثة، فأَوْلاَد الْمهاجرين مقدّمون عَلَى غيرهم. قَالَ بَعضُهُم: وهو موضع /324/ بَحث.
قُلتُ: إن أراد بتقديم أَبناء الْمهاجرين عَلَى غيرهم عِنْدَ استواء الفَضْل فحسن ولا بَحث فيه، وإن أراد غير ذَلِكَ فمردود، والظاهر أن مراده الأَوَّل، والله أعلم.
وَقِيلَ: الْمهاجرون في الْحَديث من هجر الْخطايا والذنوب.
واستثنى بعضهم من أسلم في دار الْحرب قال: فَإِنَّه تلزمه الْهِجرَة إلى دار الإِسْلاَم.
قال: فإذا هاجر فالذِي نشأ في دار الإِسْلاَم أَوْلَى منه إِذَا استويا في ما قبلها.
وكذا إِذَا استويا في سائر الفضائل، إِلاَّ أن أحدهما أقدم ورعا قدّم، فإن كَانُوا في السنّ سواء فأحسنهم خلقا، فإن كَانُوا سواء فأحسبهم، فإن كَانُوا سواء فأصبحهم وجها، ثُمَّ إن استووا في الْحُسن فأشرفهم نسبا، فإن كَانُوا سواء في هذه كُلّها أقرع بينهم، أو الْخيار إلى القوم، والله أعلم.