الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٧٦أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ تَعَالَى سَمَّى الْخُطْبَة ذِكْرًا، وقول «الْحَمْدُ للهِ» ذكر، فمن اقتصر عَلَيْهِ فقد أتى بِمَا أمر به.
وَثَانِيهِمَا: أن عُثْمَان صعد الْمِنبر فقال: «الْحَمد لله» وارتجّ عَلَيْهِ فقال: "إنَّ أبا بكر وعمر كَانَا يُعِدَّان لِهَذَا الْمقَام مقالا، وإنَّكم إِلَى إمامِ فعَّالٍ أَحوج منكم إِلَى إمام قوَّال، وستأتيكم الْخُطَب ثُمَّ نزل". وكَانَ بِحضرة الصحابة وَلَمْ يُنكِر عَلَيْهِ أحد.
والْجَوَاب عن الوجه الأَوَّل: أنَّ ذكر الله في الآية ليس نصًّا عَلَى الْخُطْبَة؛ بل يحتمل أن تكون هي الْمُرَاد بالذكر، وأن يَكُون الْمُرَاد منه الصَّلاَة أو الأذان. وعلى تقدير أَنَّهَا هي الْمُرَاد بالذكر فالذكر في الآية مُجمل فَسَّرت كيفيَّته السنَّة، فالعدول عن التفسير إِلَى الإجمال عدول عن الْجادَّة النيِّرة.
والْجَوَاب عن الوجه الثاني: أَنَّهُ قد كثر الإنكار عَلَى عُثْمَان في إحداثه، وأن الصحابة قد ضاقت صدورهم من أفعاله وأقواله، فما زالوا ينكرون عَلَيْهِ أحداثه، ولا يلزم الإنكار عَلَى الْمحدث في جَمِيع مواطنه لا سيما إِذَا لَمْ يرجُ منه قبول ذَلِكَ.
هَذَا إِذَا صحَّ أن عُثْمَان قد قال ذَلِكَ في الزمان الذِي كثرت فيه أحداثه، كما يَدُلُّ عَلَيْهِ قوله: "وإنكم إِلَى إمام فعَّال أحوج منكم إِلَى إمام قوَّال"، فإنَّ فيه إشارة إِلَى الطعن في الْخليفتين قبله حيث أشار إِلَى أَنَّهُما إمامان قوَّالان وأَنَّهُ الإِمَام الفعَّال، والله أعلم بصِحَّة ذَلِكَ عنه.
ثُمَّ وجدت في بعض كتب قومنا تضعيف هذه الْحكاية عن عُثْمَان، وأَنَّهَا لَمْ توجد في كتب الْحَدِيث، وَإِنَّمَا وجدت عندهم في كتب الفقه، وذكر ناقلها أَنَّهَا في أَوَّل جُمُعَة من خلافته، /33/ فإن صحَّ النقل فهو حُجَّة لأبي حنيفة، ولا بأس فالْمَسْأَلَة من باب الاجتهاد.