الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٨٢وإن أحدث الإِمَام بَعْدَما فرغ من خُطْبَته فَإِنَّهُ يستخلف عَلَيْهِم من يصلِّي بِهم ركعتين، ولا يستخلف للناس من لَمْ تَجب عَلَيْهِ صَلاَة الْجُمُعَة مثل الْمُسَافِرين والعبيد.
وَمِنهَا: أن يَكُون مستقبل القوم بوجهه حال الْخطبة؛ لأَنَّ الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يفعل ذَلِكَ.
وَمِنهَا: أن يَخطب قائما ولا يَجلس لقوله تَعَالَى: /37/ ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ يَعنِي: تَخطب.
ورأى كعب بن عجرة عبد الرحمن بن الْحكم يَخطب قَاعِدا فأنكر عَلَيْهِ وقال: انظروا إِلَى هَذَا الْخبيث يَخطب قَاعِدا والله تَعَالَى يقول: ﴿ وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾.
وكَانَ جابر يقول: من قال: إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَخطب جالسا فقد كذب، لقد صلَّيت مع رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من ألفي صَلاَة، وأَوَّل من أحدث الْجُلوس في الْخُطْبَة عُثْمَان لَمَّا كَبُر سنّه، وضعف جسمه.
وقال طاووس: الْجُلوس يوم الْجُمُعَة بدعة، وأَوَّل من فعله معاوية ثُمَّ ردوه من بعده. وقال الشافعي: إِنَّمَا خطب معاوية جالسا حين كثر شحم بطنه ولَحمه.
والقيام حال الْخُطْبَة شرط عِنْدَ الشافعي، وسنَّة عِنْدَ الْحنيفة، وفرض عِنْدَ مالك.
قال أبو سعيد: لا تَجُوز الْخُطْبَة في الْجُمُعَة إِلاَّ قياما، وَأَمَّا في العيدين: فقِيلَ: لا يَجُوز له أن يَخطب أيضا إِلاَّ قائما. وَقِيلَ: القيام فيهما أفْضَل فقط.
فكلامه -رَحِمَه الله- يَدُلُّ عَلَى أن القيام فرض كما قال مالك، أو شرط كما قال الشافعي.
والْمُختار عندي أَنَّهُ سنَّة مؤكَّدة، ولَعَلَّهم يَحتَجُّون بِحاله - صلى الله عليه وسلم - عِنْدَ الْخُطْبَة، فَإِنَّهُ لَمْ ينقل عنه أَنَّهُ خطب جالسا قّط، والْمواظبة عَلَى الشيء تقتضي لزومه، لا سيما وهو - صلى الله عليه وسلم - مبيِّن للأحكام، فلو لَمْ يكن لازما لبيَّنه.