الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٨٥قال الفَضْل: إِذَا روى الْخَطِيب رواية فلا أَعرف عَلَى الناس إعادة إِلاَّ أن سعيد بن أبي بكر كَانَ يَخطب بصحار فروى قول أبي بكر - رضي الله عنه - : «إِنِّي قَد وَلَّيتُكُم ولَستُ بِخَير مِنكُم، إن أَحسَنت فَأعينونِي، وإن أَسَأت فَقَوِّمونِي»، فأعاد ابن مَحبُوب -رحمه لله- الصَّلاَة.
والظاهر أَنَّهُ لاَ إعادة عَلَيْهِ، ولا عَلَيْهِم لوجوه:
أحدها: أن الْخُطْبَة لَيست بشطر من الصَّلاَة حَتَّى ينقضها ما ينقض الصَّلاَة من كلام الآدميين.
وَثَانِيهَا: أن الْخطبَة أمر غير مقصود عَلَى شيء بِعينه، وغير مَحدود بِحدٍّ لا يَحلُّ لأحد أَن يتجاوزه إِلَى غيره حَتَّى يَكُون النقض عَلَى من جاوزه.
وَثالِثُهَا: أنَّ حكم الْخَطِيب في خطبته مُخَالف لِحكم الْجَمَاعَة في استماعهم، فيلزم الْجَمَاعَة الإنصات /40/ لاستماع الْخُطْبَة، وحكم الْخَطِيب الإجهار بالْخُطْبَة والْمَوعِظَة الْحسنة، فلا يَنقض عَلَى الْخَطِيب جَمِيع ما ينقض عَلَى الْحاضرين.
وَرَابِعُهَا: أن النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ ينهى عن الكلام والإِمَام يَخطب، ويرخّص في تكلّمه وتكليمه لِمصلحة. وَقِيلَ: إن عمر بن الْخَطَّاب - رضي الله عنه - بينما هو قائم في الْخُطْبَة يوم الْجُمُعَة إذ دخل عَلَيْهِ رجل من الْمهاجرين الأَوَّلين من أصحاب النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فناداه عمر: أيَّة سَاعة هذه؟ قَالَ: إِنِّي شغلت فلم أَنقلب إِلَى أهلِي حَتَّى سَمعت التأذين فلم أزد أن توضَّأت. فقال: والوُضُوء أيضا؟! وقد عَلمت أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يأمر بالغسل؟!.
وقد نقل عن كُلِّ واحد من عُثْمَان وعلي أَنَّهُ تكلَّم في الْخُطْبَة بِمَا ليس منها.
ولَعَلَّ القائلين بالنقض يَجعلون الْخُطْبَة بِمنزلة الصَّلاَة، وأن الصَّلاَة لا يصلح فيها ما ليس منها، فإن وقع فيها ذَلِكَ انتقضت.