الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٣٨٦وَالْجَوَاب: لا نُسَلِّم هَذَا القياس؛ لأَنَّهُ قياس مع الفارق، وذَلِكَ أن الْمَقصُود من الْخُطْبَة التذكير والْمَوعِظَة الْحسنة، والْمَقصُود من الصَّلاَة التواضع والتذلُّل وأداء ما عَلَى العبد لربِّه من واجب الْحُقوق والصلَة ما بين العبد وربِّه حيث كَانَ السُّجُود أقرب حالات العبد من الله تَعَالَى، وأن الْخُطْبَة يستقبل بِهَا الْجَمَاعَة، والصَّلاَة لا يستقبل بِهَا إِلاَّ القبلة، وأن الْخُطْبَة غير متوقِّفة عَلَى لفظ وحدود مَخصُوصة بِخِلاَف الصَّلاَة، والله اعلم.
وَمِنهَا: أنَّهُم اختَلَفُوا: هل يَكُون الْخَطِيب غَير الذِي يصلِّي في حال الاختيار؟
والْمَذهَب جواز ذَلِكَ، شَهد الْمُصَلِّي الْخُطْبَة /41/ أو لَمْ يشهدها. والْمستَحَبّ أَلاَّ يَخطب إِلاَّ الإِمَام.
وكَانَ سفيان الثوري وأبو ثور وأصحاب الرأي يقولون: لا يصلِّي إِلاَّ من شهد الْخُطْبَة.
وقال أحمد: إن كَانَ [له] عذر جاز من شهدها أو لَمْ يشهدها.
وحجَّتُنا عَلَى جواز ذَلِكَ: أن الْخُطْبَة غير الصَّلاَة، فهي في حكم الانفصال كالأذان والإقامة، فكما أَنَّهُ يَجُوز أن يقيم غير الْمُؤَذِّن كذَلِكَ يَجُوز أن يَخطب غير الإِمَام. والسنَّة أن يقيم الْمُؤَذِّن ويَخطب الإِمَام فلذَلِكَ قلنا باستحبابه، وذَلِكَ ما لَمْ يفض إِلَى تعطيل السنَّة، فإن أفضى إِلَى ذَلِكَ امتنع.
وَأَمَّا قول الثوري وأصحاب الرأي فيحتمل أَنَّهُم قالوا ذَلِكَ عَلَى وجه الاستحسان، ويَحتمل الْمَنع.. فإن كَانَ الأَوَّل فظاهر، وإن كَانَ الثاني فيُمكِن أن يَكُونوا قد جعلوا الْخُطْبَة بِمَنزِلة الشطر من الصَّلاَة، فلذَلِكَ لا يؤمّ معهم إِلاَّ من حضرها.
وَالْجَوَاب: لا نُسَلِّم أن الْخُطْبَة كشطر من الصَّلاَة، ولو كَانَ ذَلِكَ للزم الداخل في الصَّلاَة الإِمَام أن يقضيها كما يلزمه أن يقضي ما فات من الصَّلاَة، والله أعلم.