الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٢٩فإذا عرفت هَذَا علمت أن الْجُمُعَة ليست كسائر الصَّلَوات، وأن الْخِطَاب بِهَا في الآية مَخصُوص بشروط لابُدَّ من مراعاتها، منها الْمِصر الْجَامِع، وقد تَقدَّمت الأَدِلَّة عَلَى اشتراط ذَلِكَ.
وها أنتم تشترطون لإقامتها الأربعين رجلا فصاعدا مقيمِين في قرية لا يظعنون عنها إِلاَّ لِحاجة؛ فمن أين لكم هَذَا الشرط؟ والْخِطَاب في الآية عام، فإن اعترفتم بتخصيص الْخِطَاب وَإِلاَّ توجَّه إليكم الإلزام الذِي وجَّهتموه إلينا.
ثُمَّ إِنَّهُ لا جُمُعَة عَلَى امرأة ولا صبِيّ إجماعا، ولا عَلَى مسافر أو عبد عِنْدَ الأكثر، ولا شكَّ أن هَؤُلاَء من جملة المؤمنين والْخِطَاب في الآية عام لِجَمِيع الْمؤمنين، فلولا ثبوت التخصيص في الآية لوجبت عَلَى جَمِيع من يطلق عَلَيْهِ اسم مؤمن، فتعذر إبقاؤها عَلَى عمومها لِما علمتم من التخصيص، ووجب المصير إِلَى السنَّة في بيان الْمخصِّصات، وقد أوردنا في ذَلِكَ ما يَدُلُّ عَلَى اشتراطنا للمصر، والله أعلم.
التنبيه الثالث: في موضع صَلاَة الْجُمُعَة من الْمِصر
وقد اختُلِف في ذَلِكَ: فقال أصحابنا – رحمهم الله -: لا تَصِحُّ إِلاَّ في الْمَسجِد الْجَامِع.
وقالت الْحَنفِية: تَصِحُّ في الْمِصر وفي فنائه، وهو ما أعدّ لِحوائج الْمِصر من ركض الخيل، والْخُروج للرمي وغيرهما. /86/
وَقِيلَ: لابدَّ أن يَكُون متصلا بالْمِصر حَتَّى لو كَانَ بينه وبين الْمِصر فرجة من الْمزارع والْمراعي لا يَكُون فناء له، ومقدار التباعد: أربعمَائَة ذراع، وعند أبي يوسف ميلان.
ووافقتنا الْمَالِكية في اختصاص الْمَسجِد بذَلِكَ، غير أَنَّهُم خالفونا بعدم اشتراط الْمِصر؛ فَإِنَّهُم جعلوا إقامتها في الْجَامِع الْمَبْنِيّ والعتيق في كُلّ قرية فيها مسجد وسوق.
ثُمَّ اختَلَف الْمشترطون للمسجد فيها إِذَا صَلَّى مصلٍّ في الرحاب الْمتصلة بالْمَسجِد:
فقالت طائفة لا جُمُعَة لِمَن لَمْ يصلِّ في الْمَسجِد.