الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٤٠ولَعَلَّ من جعل الكراهة للتنزيه حَمل الوعيد عَلَى الإيذاء، فيَكُون موافقا لأبي سعيد -رَحِمَهُ اللهُ-.
وَحُجَّة أبي سعيد: أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاًَ يتخطَّى رقابَ الناس فقال له: «اجلِس فَقَد آذَيتَ وَآنَيْتَ»، أي: تَأَخَّرت.
وفي رواية: قال - صلى الله عليه وسلم - لرجل: «رَأَيتُكَ تَتخَطَّى رِقابَ الناسِ وَتُؤذِيهِم، مَن آذَى مُسلِمًا فَقَد آذَانِي، ومَن آذَانِي فَقَد آذَى اللهَ». /96/ وذَلِكَ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - رتَّب الوعيد عَلَى حصول الأَذى فيستفاد منه رفع الوعيد حيث لا أذى.
وقاس أبو سَعيد التَّقَدُّم للْمَعنى الفاسد عَلَى حصول الأذى؛ لأَنَّ الْجَمِيع في الْحَقِيقة أذى، والله أعلم.
ولا يُكره ذَلِكَ للإمام إِذَا لَمْ يبلغ الْمِحرَاب إِلاَّ بالتخطِّي لاضطراره إليه، وكذَلِكَ من تَخطَّى لسدِّ فُرجة فَإِنَّهُ لاَ يكره له لِتقصير القوم بإخلائها.
وقد قِيلَ: إن الصحابة كَانُوا إِذَا رأوا أَمَامهم فرجة قَريبة تَخطَّون الرقاب إليها ليسدُّوها، والله أعلم.
تنبيه: [في النهي عن إقامة أحد من مكَانه]
لا يَجُوز للداخل أن يُقيم أحدًا مِن مكَانه ويَجلِس فيه؛ لأَنَّ من سبق إِلَى مُباح فهو أحق به.
وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ: حديث ابن عمر أَنَّهُ قال: «نَهى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُقيمَ الرجلُ أخَاهُ مِن مَقعَدِه ويَجلِسَ فيه». وكَانَ ابن عمر إِذَا قام له رجل من مَجلسه لا يَجلِس فيه زَجرًا له لا تَحريما للجلوسِ، فَإِنَّهُ إِذَا قَام بِاختيار وأَجلس غيره فلا كَراهة في جلوسِ غَيره. وكذَلِكَ إِذَا أرسل أحدا ليَجلِس في مكَانِ يَحوزُه لَه فإذا وَصل هو قام له فإنَّ الرَّسُول في حكم النائب لِحيازة الْمَوضِع.