الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٦١وَالْجَوَاب: أنَّ الأحوال لا تُخصِّص ولا تقيِّد؛ لأَنَّهَا وقائع، فلو سافر - صلى الله عليه وسلم - في مباح لقصر فيما يشهد به ظاهر الْحَال، ولولا ذَلِكَ لبيَّن للناس أن القصر مَخصوص بِحال دون حال، وَلَمْ ينقل عنه بيان فهو عَلَى عمومه.
الثاني: الإنسان يَخرج في معصية الله كما إِذَا خرج باغيا عَلَى الإِمَام، أَو متعدِّيا عَلَى العباد، أو ساعيا بالفساد، أو الْمَرأَة تنشز عن زوجها، أو العبد يأبق من سيِّده؛ ففي هَذَا وَنَحوه قد اختَلَف أصحابنا وغيرهم:
فقِيلَ: لَهُم وعَلَيْهِم حُكم ما دخلوا فيه من حكم الشريعة من القصر والإفطار؛ لأَنَّ حكم الْمُسَافِر مُخَالَف لِحكم الْحَاضر من غير فرق بين الْمُسَافِر الطائع والعاصي، كما أَنَّهُ لا فرق بين الْحاضر /117/ الطائع والعاصي.
وَقِيلَ: ليس لَهُم القصر والإفطار؛ لأَنَّهُما رخصَة من الله تَعَالَى، والرُّخْصَة لا تناسب العاصي وَإِنَّمَا الْمَناسب له التشديد.
قال أبو سعيد: والقول الأَوَّل عندي أصحّ؛ لأَنَّ أهل الْمعاصي داخل عَلَيْهِم ولَهم حكم الشريعة، فكما تلزمهم واجباتُها كذَلِكَ لَهُم رُخَصها، والله أعلم.
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة: في الْحَدّ الذِي يَكُون به القصر للمسافر
وقَد اختَلَف الناس في ذَلِكَ اختلافا كثيرا. واتَّفق أصحابنا عَلَى أَنَّهُ فرسخان (والفرسخ: ثلاثة أميال)، وهو الْمرفوع عن ابن عبَّاس وابن عمر. وقال أبو سعيد: ولا يعجبني أن يتَّخذ دينا يُخطَّأ ما سواه. وَأَمَّا قومنا فلهم في ذَلِكَ أقوال:
أَحَدُهَا: أن الْمُسَافِر مسيرة أربعة بُرُد فَله أن يقصر الصَّلاَة، وهو قول مالك بن أنس والشافعي وابن حنبل وإسحاق.
وَثَانِيهِمَا: قول الْحسن البصري والزهري وهو: أَنَّهُ يقصر الصَّلاَة في سفره يومين، وَلَمْ يذكر الأميال.
وَثالِثُهَا: أن يقصر الصَّلاَة في مسيرة يوم تام.