الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٦ · صفحة ٤٦٣ولَعَلَّ الْحَدِيث الأَوَّل لَمْ يَثبت عِنْدَ قومنا فإنِّي لَمْ أجده في شيء من كُتبهم، وقد ذكره أصحابنا في كتبهم، وإِنَّهُم لأشدّ تَحرُّجا، وأقوى تثبُّتًا، وأعلى احتياطا، وأبعد من أن يَتكلَّموا بِمَا لَمْ يَعلموا، فكيف بالكذب عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟
وَأَمَّا الْحَدِيث الثاني فهو صحيح عِنْدَ قومنا أيضا. وأجابوا عنه: بأنَّ "ذا الْحليفة" لَمْ يكن غاية سفره - صلى الله عليه وسلم - ، وَإِنَّمَا خرج قاصدا مَكَّة فنزل بِهَا فحضرت الْعَصْر فصلاَّها فيها.
قلنا: ليس في الْحَدِيث أَنَّهُ خرج قاصدا مَكَّة في هذه الْمرَّة، فزيادة التقييد من عندكم لا من جهة الراوي، والله أعلم.
احْتَجَّ القائلون من قومنا أن /119/ حدَّ السفر أربعة بُرُد بِمَا رووه عن ابن عبَّاس عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قال: «يَا أهلَ مَكَّة، لاَ تقصُرُوا في أَدنَى أَربَعَة بُرُدٍ مِن مَكَّة إِلَى عسفَان»، وعن مالك أَنَّهُ بلغه عن ابن عبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقصر الصَّلاَة في مثل ما يَكُون بين مَكَّة والطائف، وفي مثل ما يَكُون بين مَكَّة وعسفان، وفي مثله ما بين مَكَّة وجدة. قال مالك: وذَلِكَ أربعة برد. قالوا: ويوافقه ما صحَّ عن ابن عبَّاس أَنَّهُ سئل: أَتُقصَرُ الصَّلاَة إِلَى عَرَفة (أي: بالنسبةِ إِلَى أهلِ مَكَّة)؟ فقال: لا، ولكن إِلَى عسفان وإلى جدَّة وإلى الطائف. وعنه وعن ابن عمر أَنَّهُما كَانَا يقصران ويفطران في أربعة برد. قالوا: ومثل ذَلِكَ لا يَكُون إِلاَّ بتوقيف.
وأجيب عن الْحَدِيث: بأَنَّهُ ضعيف لضعف رواية عبد الوهاب بن مُجَاهِد.
والْجَوَاب عن كلام ابن عبَّاس: أَنَّهُ معارض بِمَا رفعه أبو سعيد عنه: أَنَّهُ كَانَ مَذهَبه أن حدَّ القصر فرسخان وكذَلِكَ عن ابن عمر، ولو كَانَ توقيفا كما زعموا لظهر ونقل، ولَما خالفه ابن عبَّاس ولا ابن عمر كما في الرواية الأخرى عنه.