الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٧ · صفحة ٢٤قُلنَا: إن صحَّ ما رواه أبو حنيفة فالْمرفوع أولى منه بالعمل، كيف وقد نقل الربيع أنَّ قول ابن عبَّاس يُخالِفه. وقال أحمد: لا حرج عَلَى من صلَّى بواحدة مِمَّا صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم - . وقال غيره: اتَّفَقُوا عَلَى أن جَمِيع الصفات الْمرويَّة عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الْخَوف معتد بِها، وَإِنَّمَا الْخِلاَف بينهم في الترجيح.
وإِنَّمَا رجحنا الكيفية التي اختارها أبو عبيدة؛ لأَنَّها موافقة للأصول؛ لأَنَّ الأصل في الإمام أن يكون متبوعا لا تابعا، ولسلامتها من كثرة الْمُخَالَفة، /187/ ولأَنَّها أحوط لأمر الْحرب فإنَّها أخفُّ عَلَى الفريقين. ويدلُّ عليه ظاهر قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصلُّوا فَلْيُصلُّوا مَعَكَ﴾ فإنَّ الآية تَدُلُّ عَلَى أن كُلَّ واحدة من الطائفتين تُصلِّي ركعة مع الإمام لا غير، ويعضد هَذَا الظاهر حديث ابن عبَّاس قال: «فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ عَلَى لِسانِ نَبِيِّكُم - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَضَر أَربَعًا، وفي السفَرِ رَكعَتَينِ، وفِي الْخَوفِ رَكعَةً»، أي: لِكُلِّ طَائفة مع الإمام؛ فيكون للإمام ركعتان وَلِكُلّ طائفة ركعة، واللهُ أَعلَم.
تنبيهات
الأَوَّل: في حكم هذه الصَّلاَة
وظاهر كلامهم أَنَّها جائزة لا واجبة، فلو صلَّى في الْحَضَر تَمَامًا، أو فِي السفر ركعتين صحَّت صلاته. لكن قال أبو جابر في جامعه: ولو أمكن لِكُلِّ طائفة ركعتان خلف الإمام لَمْ يَجز ذلك لَهم إِلاَّ لِكُلِّ طائفة منهم ركعة.
فهَذَا من قوله يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِها كالقصر في السفر، ويُؤيِّده ظاهر الآية وحديث ابن عبَّاس، فإنَّ في الآية الأمر بفعل ذلك، وأصل الأمر للوجوب.