الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٧ · صفحة ٢٨وهَذَا حكم الْخائف كلّه في غير الْمُواقَفة، سواء خاف عَلَى نفسه ودمه كما فعل جابر -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- في صلاة الْجُمعة خلف الْحَجَّاج، فَإِنَّهُ صلَّى بالإيماء حين خاف خروج الوقت. وكذلك عند دفع الْمضار كلّها عن نفسه أو غيره، حيًّا كان أو ميِّتا إذا خاف عَلَى فساده، أو كان يلزمه عزمه أو كان تلزمه في فساده معصيته وما أشبه ذلك، أو في تضييعه تفويت مَصلحة دينية كمناهضة الْحصون فَإِنَّهُ لَو ترك ذلك للصلاة رُبَّمَا يفوته الفتح.
والْحَاصل: أن الصَّلاَة إِنَّمَا تتِمُّ بِمجموع ثلاثة أمور:
أَحَدُهَا: فعل القلب وهو النِّيَّة، وهَذَا لا يسقط بالْخَوف؛ لأَنَّ حال الْخَوف لا يتبدَّل بسقوطه.
والثاني: فعل اللسان /191/ وهي القراءة لا تسقط عند الْخَوف إِلاَّ إذا تشوَّش باله، واختلط أمره، وَلَمْ يَحضر قلبه. فَإِنَّهُ إن لَمْ يُمكنه القراءة رجع إِلَى التكبير. ولا يَجُوز له أن يَتكلَّم بكلام أجنبي أو يأتي بصيحات لا ضرورة إليها.
والثالث: أعمال الْجَوارِح. فَأَمَّا القيام والقعود فيسقطان بالتعذُّر، وَأَمَّا الركوع والسجود فالإيماء بدل منهما. وَأَمَّا الشروط كاستقبال القبلة والطهارة فإن أمكنه شيء منها فعله وَإِلاَّ أدَّى ما أمكنه، وإن لَمْ يقدر عَلَى الوضوء تيمَّم.
والأصل في هَذَا كلّه: قوله تعالى: ﴿ فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا﴾ أي: إن خفتم فصلُّوا ماشين أو راكبين، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : «إذَا أَمَرتُكُم بِأمرٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطَعتُم».
وخالف أبو حنيفة فقال: لا يُصَلِّي الْماشي بل يؤخِّرها حَتَّى يأمن وإن فات الوقت. واحْتَجَّ عَلَى ذلك بأَنَّه - صلى الله عليه وسلم - أخَّرها في الْخَندق حَتَّى صلاَّها كاملة لِما كان فيه من شغل الْحرب، فكذا الْحَال التي هي أشدّ.