الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ١٦قُلْتُ: ولعلَّه أَرَادَ من تَعظيم المطلعِ وَالمغرب ما دلَّ عَلَيه تَعظيم القسَم فِي قَوله تَعَالىَ: ﴿كَلاَّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾، فإنَّ الربَّ تَعَالىَ قد أقسمَ بِهَذِهِ الأَشيَاء، والقسم بالشيءِ تَعظيم لَه.
وعلَى كُلِّ حال فلَيسَ ما صرَّح الشارع بالنهي عن اسْتِقبَاله كالْقِبْلَة مساويا لِمَا لَمْ يُصرِّح بالنهي عن اسْتِقبَاله كالمشرق والمغرب، فَإنَّهُ وإن كَانَ عظيما عِندَ الله وعِندَ عباده؛ لَكِن قد يَكُون النهي عن اسْتِقبَال الْقِبْلَة لِخاصيَّة بِها غَير التعظيم كَكونِها قِبلَة للمصلِّي، وقد يَكُون للتعظيمِ كما صرَّح به أبو سَعِيد وصَاحِب الإيضاح.
ومع ذَلِكَ فقد يَكُون النهي تعبُّديا كما هو الظَّاهِر، فلا يقاس عَلَيه، وقد يَكُون غَير توقيفي، عَلَى أَنَّ الشارع لو أَرَادَ أن يُشرِك /133/ غَير الْقِبْلَة فِي هَذَا الحكم لأمكن التعبير عنه، ونصب الدلالة عَلَيه، مع علمه بتعظيم ما عظم الله، فظهرَ أَنَّ اسْتِقبَال المطلع والمغربِ لَيسَ كاسْتِقبَال الْقِبْلَة فِي قَضَاء الْحَاجَة بل هو أخفُّ حالة، وإن قاسه بَعض الفقهاء فلَيسَ ما ثَبت بالقياس كحكم ما ثبت بالنصِّ، لصحَّة النزاع فِي صحَّة القياس، وَفي سلامة علَّتِه من القوادح.
وَأَيضًا: فإنَّ قَوله - صلى الله عليه وسلم - : «ولَكِن شَرِّقُوا أَو غَرِّبوا»، رادٌّ لِمَا قاله ذَلِكَ البعض، فإنَّ ظاهره غَير الْقِبْلَة عَلَى الإطلاق، وَالله أعلَم.
الْمَسأَلة الرابعة: [النهي عن اسْتِقبَال الشمس والقمر]
أن لا يَستقبلَ بِفرجه الشمس والقمر لاحترام نورِ العرش؛ لأَنَّهما خُلِقتا منه، ولتعظيمِ الله إِيَّاهُما، حَيثُ أقسم بِهما فِي غَير موضع من القُرْآن، فدلَّ ذَلِكَ عَلَى عَظمتهما عِندَ الله، وَفيه الاعتراض الْمتقدِّم قَريبا.