الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٧ · صفحة ٢٤٥فليس اقتصاره عَلَيْها عجزا، وَإِنَّمَا هو بيان للجواز ولا غاية للأكثر من ذلك. ومن زاد فله الفضل ما لَمْ يخالف الْمشروع في زيادته. وذلك مثل من يحمل الضرر عَلَى الْجَماعة بطول القراءة؛ فإن الشارع قد راعى أحوالهم، وخير الأمور أوسطها، واللهُ أَعلَم.
الأَمر الْخَامِس: في حكم صلاتها جَماعة
وقد اتَّفَقُوا عَلَى جوازه، ثُمَّ اختلفوا في الأفضل:
فمنهم من قال -وهو الْمَذهَب-: أن الأفضل صلاتها في الْجَماعة. وبه قال أبو حنيفة وأحمد وبعض المالكية، وقد استمر عَلَيْه عمل الصحابة وسائر الْمُسلمين، وصار من الشعائر الظاهرة كصلاة العيد.
ومنهم من قال: الانفراد أفضل. وبه قال مالك وأبو يوسف، وحكاه ابن عبد البر عن الشافعي.
وقال العراقيون والصيدلاني وغيرهم: الْخِلاَف فيمن يحفظ القرآن ولا يخاف الكسل عنها، ولا تختلّ الْجَماعة في الْمَسجِد بتخلّفه، فإن فقد بعض هذا فالْجَماعة أفضل قطعا.
وقد فرض الغزالي الْخِلاَف فيمن يثق بنفسه أَنَّه لا يكسل لو انفرد، ولا يرائي لو حضر الْجَمع فأيّهما أفضل له؟ فيدور النظر بين /418/ بركة الْجَمع وبين مزيد قوَّة الإخلاص وحضور القلب في الوحدة. قال: فيجوز أن يكون في تفضيل أحدهما عَلَى الآخر تردّد.
احتَجَّ الْمفضلون للجَماعة بوجوه:
أَحَدُهَا: فعل عمر؛ فَإِنَّه جَمع الناس عَلَى إمام واحد، وحضَّهم عَلَى الاجتماع إليه لعلمه أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا ترك الْجَماعة فيها مَخافة أن تفرض عَلَيْهم، وقد أمن عمر ذلك لانقطاع الوحي، وإكمال الدين، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي»، وسيِّدنا عمر منهم بإجماع الأُمَّة.
وَثَانِيهَا: أن الاجتماع بركة، وله فضيلة زائدة بدليل الفرائض فَإِنَّها تصلَّى جَماعة، ووقع الْحثّ عَلَى ذلك.