الكتاب 2 في الصلاة
الجزء ٧ · صفحة ٢٩٩وَقِيلَ: لأَنَّ وقت العيد أوسع من وقت الْجُمَعَة، والوقت قد يضيق فقدمت الْخُطبة في الْجُمَعَة وأخّرت في غيرها.
وَقِيلَ: لأَنَّ خطبة الْجُمَعَة فرض ولو أخِّرت فربَّما ذهبوا فتركوا فأثِموا فقدّمت. وتقديمها مستفاد من قول الله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾.
وهَذِهِ مُجرَّد مناسبات، وَالْحَقُّ أن التقديم والتأخير تعبُّد لا يعقل له معنى فما هُو إِلاَّ القبول والتسليم، واللهُ أَعلَم. ثُمَّ إِنَّهُ أخذ في:
بيان أحكام هَذِهِ الْخُطب، فقال:
… وَخُطبَةُ الْجُمَعَةِ فَرضًا … قَد أَتَت … ومَا عَداهَا غَيرَ وَاجِبٍ … ثَبَت
وَخُطبَةُ النِّكَاحِ قَبل أن … عَقَد … وَقَبل أَن يَشرطَ مَا كانَ … عَهِد
قوله: (فَرضًا) انتصب عَلَى الْحَال من فاعل (أَتَت) وهو ضَمير يعود إِلَى الْخُطبة. وقوله: (غيرَ وَاجِبٍ) بفتح الراء حَال أيضا مِن فاعل (ثَبَت) /473/ وهو ضمير يَعود إِلَى (ما).
والْمَعنَى: أن الواجب من هَذِهِ الْخُطب كُلّها خطبة الْجُمَعَة وما عداها فليس بواجب، غير أَنَّه مأمور به أمر تأكيد، كخطبة العيدين والنكاح، أو مستحبّا فقط كسائر الْخُطب.
وَقِيلَ: إن خطبة العيدين واجبة أيضا، وبه جزم أبو إسحاق رحمة الله عَلَيْه.
وصرَّح بعضهم بفرضيتها؛ لقوله تَعَالَى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾. وقالوا: إن الْخُطبة من الصَّلاَة. وفرَّعوا عَلَى ذلك منع القعود فيها؛ لأَنَّ القيام في الصَّلاَة ركن، وكَذَلِكَ في الْخُطبة.
ولا دليل في الآية عَلَى الفرضية؛ بل غاية ما فيها أَنَّها تَدُلُّ عَلَى وجوب الصَّلاَة لا الْخُطبة.
ويُمكن أن يقال: إن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قد بيّن معنى الصَّلاَة بفعله حيث قال: «صَلُّوا كمَا رَأَيتُمُونِي أُصَلِّي»، وقد رأيناه يُصَلِّي ويَخطب.
قُلنَا: لو كَانَت الْخُطبة من الصَّلاَة لوجب فعلها عَلَى الْجَمِيع.