الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٤فإن قيل: قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ وقوله: ﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾، وقوله: ﴿ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾، وقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ﴾ يَدُلُّ على أن الْمتوفِّي هو الله تَعَالَى، وهو منافٍ لقوله: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ﴾، ولقوله: ﴿ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾.
فَالْجَوَاب: أن الْمتوفِّي في الْحَقِيقَة هو الله تعالى، إِلاَّ أَنَّهُ تعالى جعل في عالَم الأسباب، كُلّ نوع من أنواع الأعمال لِملك من الْمَلاَئكة، فجعل قبض الأرواح إلى ملك الْمَوت وهو رئيس وتَحته أتباع وخدم. فأضيف التوفي في بعض الآيات إلى الله تعالى؛ لأَنَّه /7/ الفاعل فِي الْحَقِيقَة، وأضيف في آية أخرى إلى ملك الْمَوت؛ لأَنَّه الرئيس في هذا العمل، وأضيف في آيَة أخرى إلى الرسل وهم سائر الْمَلاَئكة؛ لأَنَّهم هم الأتباع لِملك الْمَوت، والله أعلم.
الْمَسأَلَة الثالثة: في سكرات الْمَوت
وهي: تكون على الأَولِيَاء والأعداء والأنبياء فمن دونهم إِلاَّ من أراد الله أن يُخفِّف عنه، وذَلِكَ كالشهيد الْمقتول في سبيل الله تعالى، فإن في الْحَدِيث عنه - صلى الله عليه وسلم - : «لاَ يَجِدُ الشَّهِيدُ مِن أَلَمِ الْمَوتِ إِلاَّ كَعَضَّةِ قُمَّلَة». وفي رواية: «كَقَرصَةِ نَمْلَةٍ»، وهي كرامة له على بذلِّه مهجته في رضى رَبِّه تعالى.
وَالْحِكمَة في تشديد الْمَوت على الأنبياء -عليهم السلام- شيئان:
أَحَدُهُمَا: تكميل فضائلهم ورفع درجاتهم، وليس ذَلِكَ نقصا ولاَ عذابا، بل هو كما جاء أن «أشدَّ الناس بلاءً الأنبياء ثُمَّ الأَولِيَاء ثُمَّ الأمثل فالأمثل». /8/
وَثَانِيهِمَا: أن يعرف الْخلق مقدار ألَم الْمَوت وأنَّه باطن.