الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٠- وذلك أَنَّ ذكر الْمَوت يورث استشعار الانزعاج وطلب الخروج من هَذِه الدار الفانية، والتوجُّه في كُلّ لحظة إلى الدار الباقية، قالوا: ولا ينفك الإنسان في هَذِه الدار عن حالتين ضَيْق وَسَعَة، نعمة ونقمة، فيحتاج إلى ذكر الْمَوت ليخفِّف عنه ما هو فيه من صعوبة الشدة وغفلة النعمة. وقالوا: "في ذكر الْمَوت قصر الأمل وانتظار الأجل". وقالوا: "ليس للموت نفس معلوم، ولا مرض معلوم، ولا زمن معلوم، ولهذا استعدَّ له الأكياس وصاروا على أهبة".
وروي أنَّ رجلا كان /17/ ينادي طول الليل على سور الْمَدينَة: "الرَّحِيل الرحيل"، فَلَمَّا توفِّي فقد أمير الْمَدينَة صوته فسأل عنه، فقالوا له: قد مات فأنشد يقول:
… مَا زَالَ يَلْهَجُ بِالرَّحِيلِ … وَذِكْرهِ … حَتَّى أَنَاخَ بِبَابِه … الْجَمَالُ
… فَأَصَابَهُ مُسْتَيْقِظًا … مُتَشِمِّرًا … ذَا أُهْبَةٍ لَمْ تُلْهِهِ … الآمَالُ
وقد كان يزيد الرقاشي يعاتب نفسه ويقول لها: "وَيْحَك يا نفس، من ذا الذي يصلِّي عنك بعد الْمَوت؟ من ذا الذي يصوم عنك بعد الْمَوت؟… وهكذا… -ثُمَّ يقول:- أيُّهَا النَّاس ألا تبكون وتنتحبون عَلَى أنفسكم بقيَّة عمركم؟ فمن كان الْمَوت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه، والدود مؤنسه، وخوف الفزع الأكبر يزعجه، كيف يلتذّ بِمنام؟!"، ثُمَّ يبكي حَتَّى يَخرّ مغشيا عليه.
وكان عمر بن عبد العزيز يَجمع الفقهاء ويتذاكرون الْمَوت، وأهوال يوم القيامة، وسوء الحساب، والْمرور على الصراط، ويَبْكي أحدهم حَتَّى كأنَّ بين يَديه جنازة.
وكان سفيان الثوري إذا ذكر الْمَوت لا ينتفع أحد به أيَّامًا عديدة، ولا يأكل ولا يشرب، وكان إذا سئل عن شيء يقول: لا أدري.
وكان [أبو] علي الفضيل بن عيَّاض إذا ذكر الْمَوت تكاد تنقطع مفاصله من الاضطراب.
وكان يوسف بن أسباط إذا شَيَّع جنازة يكاد يَموت فيرجعون به في النَّعش إلى داره.