الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٤٨واعترضه أبو مُحمَّد بقوله: كيف يكون شهيدا وقد غسل، وموته بعد أن طعن بثلاثة أَيَّام. وهو اعتراض مبنِيّ عَلَى الْجهل بالشهيد، فإن الشهيد لا يَختصّ بِمن قتل في الْمَعْرَكَة كما توهَّمه أبو مُحمَّد بل يطلق عَلَيهِ وعلى غيره. قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - : «القَتِيلُ شَهيدٌ، وَصَاحِبُ /80/ الْهَدمِ شَهِيدٌ، وَالْمَبطُونُ شَهِيدٌ، وَالغَريقُ شَهِيد، وَمَن أَكلَهُ السَّبُعُ شَهِيدٌ، وَالسَّليمُ شَهِيد (يعنى: اللديغ)، ومَن ذَكرَ اللهَ إذَا أخَذَ مَضجَعَهُ ثُمَّ مَاتَ فَهُو شَهِيدٌ، وَالنفسَاءُ وَمَن مَاتَ عَلَى فِراشِهِ يُريدُ أَن تَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ العُليَا وَكَلِمَةُ الذينَ كَفَرُوا هِيَ السُّفلَى شَهِيدٌ»، وفي حديث آخر: «الْمَقتُولُ دُونَ مَالِهِ شَهِيدٌ».
وقال مُحمَّد بن مَحبوب: الشهداء كثير، منهم: الْمَبطُون، والغريق، والنفساء، والْمتردِّي، والذي يقع عَلَيهِ الْجدار. وأَمَّا الشهداء الْمرزوقون فمن قتل بالسيف، فَاسم الشهادة ثابت لشَهِيد الْمَعْرَكَة وغيره، والرزق الْمَذكُور في قوله تَعَالَى: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾، خاصّ للمقتول بالسيف في سبيل الله، وكذَلِكَ ترك الغسل خاصّ لشَهِيد الْمَعْرَكَة، فاستدلال أبي جابر مستقيم كما ينبغي، لكن لا يدفع قول أصحابنا النفوسيين إن مات /81/ من يومه غسل؛ لأَنَّ عمر قد مات بعد ثلاث.
والاِحتِجَاج الْمحكم: قوله - صلى الله عليه وسلم - : «اغسِلُوا مَوتَاكُم»، فإن الْخطابَ عامّ لِكُلِّ ميّت، وخصّ من جُملتهم شَهِيد الْمَعْرَكَة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن غسله، فيبقى الْخطاب متناولا لِما عدا الْمخصص، إذ لا يَصِحّ إسقاط الْحكم عن بعض أفراد العام إِلاَّ بدليل.
فإن قيل: الدليل قياس الشَّهِيد عَلَى الشهيد بِجامع الشهادة، والقياس يُخصّص العام.