الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٨٦وهو: إِمَّا أن يتحرَّك في بطنها، أو لا يتحرك، فإن لَمْ يتحرَّك دفنت من ساعتها؛ لأَنَّه لا تعلم حقيقته أشيء هو أم غير شيء، وأن عَدم الْحَركَة علامة السكون الذي هو أثر الْمَوت، وإن كان يتحرَّك انتظر بِهَا من ساعة إِلَى ساعة ما لَمْ يخش عليها الفساد، وإن دفنت في الْحَال فلا حَرج؛ لأَنَّهم لا يَحكمون بِحياته بنفس الْحَركَة البطنية.
وأيضا: فإِنَّه في عالَم الغيب ونَحن لا نكلّف إِلاَّ بِما في عالَم الشهود، ولا يَجُوز شقّ بطنها لإخراج ما فيه؛ لأَنَّ ذَلِكَ حدث مُحرّم في بدن الغير، ولو كان في بدنه لكان حراما فكيف بِجسد غيره؟! وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : «حُرمَةُ /149/ أَموَاتِنَا كَحُرمَةِ أَحيَائِنَا». وعن عائشة أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَسرُ عَظمِ الْمَيِّتِ كَكَسرِهِ حَيًّا»، وقال ابن مسعود: "أَذى الْمُؤْمِن في مَوتِه كَأذاهُ في حَياتِه"، ولِهذا قال أبو عبد الله: إن عَلَى من خَرق بطنها أَرْشٌ أحدث فيها بِمنزله أرشها أن لو كَانَت حيَّة، وعليه الاستغفار مِمَّا صنع بِها.
فإن قيل: قد شقَّ بطن امرأة خرج الولد حيا وعاش عمرا طويلا كما فعل بقيصر فإِنَّه شقَّ عنه بطن أمِّه ولذَلِكَ سُمِّي "قيصر"، وهو أَوَّل القياصرة ثُمَّ صار علما لِكُلِّ ملك عَلَى الروم، وكان يفتخر بذَلِكَ عَلَى ملوك الأرض ويقول: إِنَّه لَمْ يَخرج من فرج امرأة، وقد تبيَّن أن الْحَمل قد يكون حيًّا وإِنَّه إذا لَمْ يشقّ عنه تعرّض لِموته.
قُلنَا: أَمَّا أَوَّلا: فإنَّ الشقَّ علينا حرام، وليس لنا أن نعصي الله لبقاء الْمولود، وما علينا من موته إذا امتثلنا أمر رَبِّنا فيه.
وأَمَّا ثانيا: /150/ فإنَّ حياته مَشكوكة والْحَدث في أمه بالشقِّ معلوم.
وأَمَّا ثالثا: فإن الأحكام الشرعية لَمْ تثبت له ولا عَلَيهِ ما دام في البطن حَتَّى يَخرج حيا إِلَى الدنيا.