الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٩١ثُمَّ إن شراء الْمَاء لغسله - وإن حكى فيه هذا البعض الاتِّفَاق - لاَبُدَّ من خروج الْخِلاَف فيه عَلَى حدِّ ما تقدَّم في شراء الْمَاء للوضوء، فإنَّ غَسل الْمَيِّت ليس بأشدّ وجوبا من الوضوء، بل الوضوء أشدّ؛ لأَنَّه فرض عين لا يقال، وكذَلِكَ الغسل فرض عين في حقِّ الْهالك وإن كان فرض كفاية عَلَى الْمغسلين؛ لأَنَّا نقول ليس عَلَى الْمَيِّت شيء /158/ من الفروض.
فإن قيل: نعني بكونه فرضا في حقِّ الْمَيِّت بثبوت ذَلِكَ في تركته فيخرج من رأس ماله.
قلنا: لا تتَعَلّق الفروض العينية بالأموال دون الذمم.
فإن قيل: بل تتعلَّق كالزكاة والنفقات.
قُلنَا: ذَلِكَ متَعَلّق عَلَى الذمة بواسطة الْمال، فهي حقٌّ عَلَى صاحب الْمَال يخرجه من ماله.
فإن قيل: لو كان حقًّا عَلَى الذمة لَما وجبت الزكاة في مال الصَّبِيّ؛ لأَنَّ ذمَّته ليست بأهل للتكليف.
قُلنَا: ذمَّته صالحة لتَعَلّق ذَلِكَ عليها وليست أهلا للأداء فقط، فلذَلِكَ أحتيج إِلَى النائب.
فإن قيل: هذا لا يتمشى إِلاَّ عَلَى قول من جعل الزكاة ضمانة، فأَمَّا عَلَى قول من جعلها أمانة كحقِّ الشريك فَهو حقّ في الْمَال فقط فيصحُّ مَا قلناه.
قُلنَا: وعلى هذا القول أيضا فإخراجها فرض عَلَى الذمَّة، كالأمانة عَلَى الأمين أداؤها إِلَى أهلها، ولا كذَلِكَ شراء الْمَاء من /159/ تركة الْهالك؛ إذ ليس هنالك ذمَّة تُخاطب بالأداء.
فإن قيل: بل الْمُخاطبون هم الورثة أو الوصيّ أو النائب من قبل الْحَاكم أو الْمحتسب، فقد حصلت الذمة الْمطالبة بالانفاذ.
قُلنَا: لو اقتصرتم عَلَى هذا كان القياس صحيحا، لكن زدتم عَلَيهِ بأن جعلتموه عَلَى عامة الْمُسلِمين إن لَمْ يكن له تركة، وكان الواجب عَلَى قياسكم أن تسقطوا وجوب الشراء عِندَ عدم التركة، فقد تبيَّن بِهَذَا التقرير أن الْخِلاَف الْموجود في الوضوء خارج هاهنا إن لَمْ يكن به أَولَى.