الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٠١لا يقال: إن مصعبا /176/ كان شَهِيدا، وإن الشَّهِيد لا يزاد عَلَى ثوبه؛ لأنَّا نقول لا يزاد عَلَيهِ إن كان مُجزئا للكفن، وأَمَّا إن لَمْ يجز فإِنَّه يزاد عليه. ففي الْحَدِيث دلالة عَلَى الاجتزاء به، ولا يقال: إن فيه حُجَّة للقول بأنّ أقلّ الكفن ما ستر العورة؛ لأَنَّه لَمْ يزد ثوبا عَلَى قدميه؛ لأَنَّا نقول: إِنَّه جعل الإذخر مكان الثوب، وإن الزمان زمان ضيق.
احْتَجَّ القائلون بالثَّوبين بحديث عبادة بن الصامت عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّة»، قَالُوا: والْحُلَّة: الإزار والرداء فوق القميص وبدونه، فإن كان معهما قميص فهو كفن السُّنَّة، وإن كان بدون قميص فهو كفن الكفاية، وإطلاق الحديث شامل لَهما. قالوا: ولا يُسَمَّى حُلَّة حَتَّى يكون ثوبين من جنس واحد.
قُلنَا: إذا أردتم أن الاجتزاء بما دونهما لا يصحّ، فغير مسلَّم؛ لأَنَّ الْحَدِيث /177/ يَدُلُّ أن ذَلِكَ أفضل لا غير بقوله: «خَيْرُ الكَفَن الْحُلَّة»، ولفظ "خير" للتفضيل، وإن أردتم أن أقل السنة ثوبان، فليس الْحَدِيث نصًّا فيه؛ لأَنَّكم قد ذكرتم في تفسير الْحلَّة أَنَّها إزار ورداء فوق القميص وبدون القميص فيَحتمل أن الْمُرَاد الأكمل.
احْتَجَّ القائلون بالثلاثة: بحديث عائشة قالت: «أنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كُفِّنَ فِي ثَلاَثَةِ أَثْوَابٍ يَمَانِيَة بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلاَ عِمَامَةٌ»، ثُمَّ اختلفوا في معناه:
فمنهم من قال: ليس في الكفن قميص أصلا. وَمِنهُم من قال: إِنَّه كفن في ثلاثة أثواب غير القميص والعمامة، فيكون معنى قولها: «لَيْسَ فِيهَا قَمِيص وَلاَ عمَامَة»، أن ليس منها القميص والعمامة.
وترتَّب عَلَى هذا اختلافهم في أَنَّه: هل يُسْتَحَبُّ أن يكون في الكفن قميص وعمامة أم لا؟
فقال أصحابنا والحنفية: الأثواب الثلاثة إزار /178/ وقميص ولفافة.