الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١١٣وَقِيلَ: إِنَّ الصواب ما نقل عن ليلى بنت قانف قالت: "كنت فيمن يغسل أمّ كلثوم بنت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان أَوَّل ما أعطانا الْحقاء ثُمَّ الدرع ثُمَّ الخمار ثُمَّ الْملحفة /198/ ثُمَّ أدرجت بعد في الثوب الآخر"، قال: هذا ظاهر في أنَّ إزار الْمَيِّت كإزار الحيّ من الحقو فيجب كونه في الذكر كذَلِكَ لعدم الفرق في هذا، وإن كان الثوب لا يكفي لِجَمِيع الْجَسَد كفِّن أَوَّلا من رأسه حَتَّى يكون النقصان عَلَى رجليه، كما فعل رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بِمصعب بن عمير، ثُمَّ يجعل عَلَيهِ الشجر الإذخر أو نحوه مِمَّا يواري باقي جسده. وإن فَضُلت خرقة من كفن الْمَيِّت فهي للوارث إن كان قد كفن من ماله، وإن كان من غير ماله فعلى نحو ما تقدّم من الْخِلاَف في الفاضل من الكفن، وَاللهُ أَعلَم.
وهَذِه الصفات كُلّها استحسانية، وغالبها مَبنِيّ عَلَى مُخالِفة لباس الْمَيِّت للحيّ، وأيُّما فعل منها أجزأ، وإن أدرج في كفنه عَلَى خلاف هذا الترتيب فقد أدَّى الفرض وَفَاتَه الفضل، والفرض الستر العامّ عِندَ الْجُمهُور، أو ستر العورة عِندَ البعض، وَلَمْ ينقل لنا عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفس التكفين صفة مَحدودة /199/ لكونِها معلومة عِندَ الخاص والعام، وفي الجاهلية والإسلام، فإنَّ الإسلام لَمْ يُغَيِّر من صفة التكفين شيئا فيما علمناه، بل أبقى الناس عَلَى فعلهم، إِلاَّ في الْمُحْرِم فإِنَّه «نَهى أن يُمسَّ بِطيبٍ أو يُخمَّر رأسه»، وَإِلاَّ ما تقدّم من النهي عن غسل الشَّهِيد وما ذَلِكَ إِلاَّ لأَنَّ الناس قد تلقّوا هَذِه الكيفية قرنا بعد قرن من عهد آدم فمن بعده، ولا يشكل عليك اختلافهم في بعض الصفات فإِنَّها طرق جائزة، وَكُلٌّ يختار منها ما يراه للحق أقرب، والكلّ حقّ، وَاللهُ أَعلَم.
تنبيه: في صفة تكفين الْمحرم