الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٢١وقد اختلفوا في حكمها: فقال قوم: إِنَّها فريضة لقوله تَعَالَى: ﴿ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، فتلزم الْجَمِيع، /213/ وتسقط بفعل البعض، فلو صلاَّها منفرد وهنالك ناس حاضرون سقط الفرض بفعله، وكان التقصير عَلَى من لَمْ يصلِّ؛ إذ الأفضل صلاتها في الْجَمَاعة، والْمسارعة إِلَى الخير مطلوبة.
وَقِيلَ: لا تسقط إِلاَّ بثلاثة، وفيها وجهان آخران: أَحَدُهُما أَنَّها تسقط باثنين. والثاني: بأربعة.
أَمَّا القول الأَوَّل: فمَبنِيّ عَلَى أن الْمَقصُود من فرض الكفاية تحصيل الفعل، وَلَمْ تكن الْجَمَاعة هاهنا لازمة، وقد حصل الفعل من واحد.
وأَمَّا القول الثاني: فمبناه أن الْخطاب متوجِّه إِلَى جماعة الْمُسلِمين وأقلّ الْجَمَاعة ثلاثة.
وأَمَّا القول: بأَنَّها تسقط باثنين فمَبنِيّ عَلَى أنَّ أقلّ الْجَمع اثنان، وأنَّ للاثنين حكم الْجَمَاعة.
وأَمَّا القول: بسقوطها بأربعة، فلحديث عمر قال: قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أَيُّمَا مُسْلِمٌ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّة»، إذ يَحتمل أَنَّه /214/ يريد بشهادتهم صلاتُهم عَلَيهِ ودعاءُهم وشفاعتُهم له فيقبل الله ذَلِكَ.
والْجَوَاب من وجهين: أَحَدُهُما: أنَّ الْحَدِيث لَمْ يقتصر عَلَى الأربعة، بل جاء في الثلاثة والاثنان أيضا، فإن تَمام الْحَدِيث: "قُلْنَا وَثَلاَثَة؟ قَالَ: «وَثَلاَثَة»، قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: «وَاثْنَانِ»، ثُمَّ لَمْ نسأله عن الواحد".
وَثَانِيهِمَا: أنَّ الشهادة بخير غير الصلاة وَإِنَّمَا هي الثناء بالجميل، فتأويله بالصلاة عَلَى خلاف الظاهر.
وقالَ قَوم: إِنَّها سُنَّة عَلَى الكفاية لِمواظبة رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والمواظبة دليل السُّنَّة.