الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٥٤وَقد قِيلَ: إن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قد اتَّخذ لَهَا مكانا غير الْمَسجِد، كما يَدُلُّ عَلَيهِ حديث صلاته عَلَى النجاشي، فإنَّ أبا هريرة راوي الْخبر قال: «وَخَرَج بِهِم إِلَى الْمصَلَّى فَصَفَّ بِهِم» وذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهم قَد اتَّخذوا مصَلَّى لَهَا، وَإِمَّا أن يكون مسجدا قد اتُّخذ للفرائض وتوابعها من الفضائل والأذكار؛ فهاهنا قد وقع الْخِلاَف بين العُلَماء من الْمُوافِقين والْمُخالِفين:
فمنهم من قال: لا يُصَلَّى عَلَى الْجَنازَة فيه، وجزم بِه الشيخ عامر.
وَمِنهُم من قَال: يَجُوز ذَلِكَ، وجزم به أبو سعيد، وصَحَّحه الشيخ إسماعيل وهو مذهب الشافعي، بل قال بعض الشافعية: إن الصلاة فيه أفضل. وقال مَالك: لا يُصَلَّى عليها في الْمَسجِد إِلاَّ أن يتضايق الْمَكَان، وكره وضع الْجَنائز في الْمَسجِد، والكراهية أيضا عِندَ الْحَنفيَّة، غير /269/ أَنَّهم اختلفوا في وجهها:
فمنهم من قَال: كراهية تنزيه. وَمِنهُم من قال: تَحريم، وهو مذهب الْمُتأخّرين من أصحابنا، حَتَّى أفتى الشيخ ناصر بن خميس بإثم الْمُصلِّي بناء عَلَى القول بالتحريم، وبعدم الْجَواز أفتى مُحمَّد بن عبد الله بن مداد والقاضي ابن عبيدان.
ثُمَّ اختلفوا في الْعِلَّة الْمقْتضية للكراهية، فعلل الشيخ عامر بأَنَّه مَيتة، وقال الْمُحَشِّي: هذا إِنَّمَا يظهر عَلَى القول بعدم طهارته.
قُلتُ: لا يظهر ذَلِكَ؛ لأَنَّ القائلين بذَلِكَ إِنَّمَا يقولون بنجاسته حَتَّى يطهر، فأَمَّا بعد التطهير فهو طاهر قولا واحدا، واستظهر الْمُحَشِّي أن يكون الْعِلَّة مَخافة خروج شيء منه ينجِّس الْمَسجد.
احْتَجَّ الْمُجَوِّزون: بقول عائشة: «واللهِ لَقَد صَلَّى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى ابنَي بَيضَاءَ فِي الْمَسجِدِ: سُهَيل وَأَخِيه».