الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٥٥وقال الْخطَّابِي: ثبت أن أبا بكر وعمر صُلِّي عليهما في الْمَسجِد، ومعلوم أنَّ عامة المهاجرين والأنصار شهدوا الصلاة عليهما، وفي تركهم الإنكار دليل /270/ الْجَواز. وقال ابن الْمُنذر: روينا أن أبا بكر الصديق وغيره صَلَّى عَلَى جنازة في الْمَسجِد.
أجاب الْمكرهون عن صلاة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى سهيل بن بيضاء في الْمَسجِد بأجوبة:
أَحَدُهَا: أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - كان معتكِفًا إذ ذاك، فلم يُمكنه الْخُروج من الْمَسجِد، فأمر بالْجَنازَة فوضعت خارج الْمَسجِد فصَلَّى عليها في الْمَسجِد للعذر.
وهذا بعيد جدا؛ لأَنَّ الظاهر من صلاته في الْمَسجِد إدخال الْمَيِّت فيه كما هو المتبادر فحمله عَلَى غير ذَلِكَ خلاف الظاهر ولا يثبت إِلاَّ بنقل صحيح.
وَثَانِيهَا: أنَّ عائشة قالت ذَلِكَ لَمَّا صلَّت أزواج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى جنازة سعد بن أبي وقاص في الْمَسجِد، فقالت عائشة: هل عاب الناس علينا ما فعلنا؟ فقيل لها: نعم، فقالت: ما أسرع ما نسوا ما صلَّى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى جنازة سهيل بن البيضاء إِلاَّ في الْمَسجِد، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أنَّ الناس ما عابوا عليها ذَلِكَ /271/ وأنكروه وجعله بعضهم بدعة إِلاَّ لاشتهار ذَلِكَ عِندَهم، ولا يكون ذَلِكَ إِلاَّ لأصل عِندَهم؛ لأَنَّه يستحيل عليهم أن يروا رأيهم حُجَّة عَلَى حديث عائشة.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ «أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا نعى النجاشي إِلَى الناس خرج بِهِم إِلَى المصَلَّى فصَلَّى عَلَيهِ» وَلَمْ يصلِّ عَلَيهِ في الْمَسجِد مع غيبته، فالْمَيِّت الحاضر أَولَى أن لا يُصَلَّى عَلَيهِ في الْمَسجِد.