الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٥٦ويُمكن الْجَوَاب بأنَّ العيب عليهن إِنَّمَا وقع قبل أن تحدِّثهم بذَلِكَ، فلا يقال: إِنَّهم قدَّموا رأيهم عَلَى خبرها، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قولُها: "مَا أسرع ما نسوا"، ثُمَّ ذكرت القصة. وأَمَّا صلاته عَلَى النجاشي في المصَلَّى فلا تَدُلُّ عَلَى كراهة ذَلِكَ في غيره؛ لأَنَّها موافقة حال لا يحتجّ بها.
وثَالِثهَا: أن الصلاة عَلَى ابني بيضاء لا ينافي كراهة التنزيه؛ لأَنَّ الشارع قد يفعل الشيء لبيان جوازه، وهو قد صرح بالكراهية فيه، فالفعل دليل الْجَواز، والكراهية عَلَى حالها؛ إذ لو كان ذَلِكَ غير مكروه أو مستحبا لاتخذ عادة، ولكان /272/ قد داوم عَلَى فعلها - صلى الله عليه وسلم - ، ومن الْمَعلُوم أَنَّه لَمْ يداوم فعلمنا أَنَّه مكروه، وهذا الْمَعنَى ظاهر لا جواب عليه.
ورابعها: أن الصلاة في الْمَسجِد تحتمل النسخ بإنكار الناس عَلَى أزواج النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فعل ذَلِكَ في الْمَسجِد، وهذا ضعيف جدا؛ لأَنَّ النسخ لا يثبت بالاحتمال، ثُمَّ إن الصلاة عَلَى الصدّيق وعمر تَدُلُّ عَلَى بقاء هذا الْحكم.
وخَامِسُهَا: أَنَّه يَحتمل فعل ذَلِكَ إِنَّمَا كان لعذر كمطر أو عَلَى الْخُصوصيَّة.
والْجَوَاب: أَمَّا العذر فلم ينقل، ولو كان لعارضوا به عائشة، وأَمَّا الْخُصوصيَّة فلا تثبت بالاحتمال مع قوله - صلى الله عليه وسلم - : «حُكمِي عَلَى الوَاحِدِ كَحُكمِي عَلَى الْجَمِيعِ».
احْتَجَّ المكرهون بما رواه أبو داود وغيره: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فِي الْمَسجِدِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيه».
وَأُجِيب عنه بثلاثة أجوبة:
أَحَدُهَا: أَنَّه ضعيف؛ لأَنَّ فيه صالحا مولى التوأمة، واختلف في عدالته وكان مالك يُجرِّحه.
والثاني: الْمَوجُود في سنن أبي داود «فَلاَ شَيْءَ عليه».
والثَّالِث: حمله عَلَى نقصان أجره إذا لَمْ يتبعها للدفن.