الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٥٨فَمِنْهُم من قال: لا بأس بذَلِكَ، وكَرِهَه ابن عباس وابن عمر، ومَنَع منه علي.
وقال بعض: إن وجدوا غير الْمَقْبَرَة كان أحبّ إلَيَّ، وإن صلُّوا عَلَى الْجَنازَة فيها فعِنْدِي أَنَّه لا بأس بذَلِكَ.
وقال آخر: إن استقبل /275/ الْقُبُور فمكروه فليفسحوا عنها، قال أبو سعيد: إن أمكن غير الْمَقْبَرَة كان عِندِي أحسن.
واستدلَّ الْمُجَوِّزون بِما روي عن ابن الْمُنذر قال: ذكر نافع أَنَّهم صلُّوا عَلَى عائشة أمّ الْمُؤْمِنين وأمّ سلمة وسط قُبُور البقيع، صَلَّى عَلَى عائشة أبو هريرة وحضر ذَلِكَ ابن عمر، وفعل ذَلِكَ عمر بن عبد العزيز.
قُلنَا: هذا معارض بالْمَنقُول عن عليّ وابن عبَّاس وهُمَا أكثر فقها وأقوى ضبطا مِمَّن ذكرتم، والأولَى الاستدلال بِحَدِيث أبي هريرة «أن امرَأةً سَوداء كَانَت تَقُمُّ الْمَسجِد – أَو شاب - ففَقَدَها رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأل عنها – أَو عنه - فقالوا: مات، فقال: أفلا كنتم أذنتموني» قَالَ: فكأنهم صغروا أمرها أَو أمره، فقال: «دلُّونِي عَلَى قبره»، فدلُّوه فصَلَّى عليها -أَو عَلَيه- ثُمَّ قال: «إنَّ هَذِه الْقُبُور مَملوءَة ظُلمَةً عَلَى أَهلِها وَإنَّ الله يُنَوِّرهَا لَهُم بِصَلاتِي عَلَيهِم»، فهذا يَدُلُّ صريحا عَلَى أَنَّه صَلَّى عَلَى القبر، والظاهر أن ذَلِكَ في الْمَقْبَرَة؛ لأَنَّ الدفن في العادة يكون فيها. /276/
وَحُجَّة الْمُكَرِّهِينَ: ما روى ابن الْمُنذر أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الأرضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ طَهُور إِلاَّ الْقُبُورَ وَالْحَمَّامَ».
وكلام أبي مُحمَّد الْمتقدّم صريح في اشتراك الْجَنائِز مع الفرائض في هذا الْحكم. وفرق أبو سعيد بينهما بأن الفرائض يقطعها استقبال الْقُبُور، وأن الْجَنازَة لا يقطعها شيء من الْممرات؛ لأَنَّه ركوع فيها ولا سجود.