معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ١٧١

احْتَجَّ أبو مُحمَّد عَلَى الْمَنع: بأن الأُمَّة جَمِيعا تقصد قبر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - للزيارة من كُلّ دان وقاص رغبة في ثواب الله تَعَالَى، ومع ذَلِكَ لا يصلُّون عَلَى قبره - صلى الله عليه وسلم - ، ولو كَانَت جائزة على القبر لكان قبره - صلى الله عليه وسلم - أحقّ الْقُبُور بذَلِكَ.

والْجَوَاب من وجهين: ليس النزاع في الأفضل، وَإِنَّمَا النزاع في الْجَواز.

وكلام أبي مُحمَّد هذا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أن الدعاء أفضل حين اختاروه عَلَى الصلاة، والْمُجَوِّزون لا يقولون: إِنَّ الصلاة أفضل، وَإِنَّمَا يقولون إِنَّها جائزة، فأين دليل الْمَنع؟! /296/

سَلَّمنا، فالْجَواز إِنَّمَا يكون في مواضع لا تفضي إِلَى البدعة، وجعل الصلاة شعار الزائرين بدعة عظيمة فلذا عدلت عنها الأُمَّة.

الوجة الثاني: إن بعض الْمُجَوِّزين استثنوا الأنبياء فقالوا: لا تَجوز الصلاة عَلَى قبورهم – صلَّى الله عَلَيهم- لِخبر الصَّحِيحين: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنبِيَائِهِم مَسَاجِد»، ولِحديث البيهقي: «الأَنبِيَاءُ لاَ يُترَكُونَ فِي قُبُورِهِم بَعدَ أَربَعِينَ لَيلَةً»، ويعترض هذا بوجهين:

أَحَدُهُما: أن اتِّخاذ الْقُبُور كناية عن جعلها مساجد للعبادة من أداء الفرائض وسائر التنفُّلات كالْمَسَاجِد الْمَبنِيَّة لذَلِكَ، وصلاة الْجَنازَة عَلَى خلافها فإِنَّها تكون خارج الْمَسجِد، فلا يقال لِمصلِّي الْجَنازَة في موضع اتَّخذه مسجدا.

وأيضا: فإن الْمَسجِد مشتق من السجود ولا سجود في الْجَنازَة.

ثُمَّ إن حديث البيهقي يَدُلُّ عَلَى نقلهم من الْقُبُور بعد أربعين ليلة فيبقى الْحكم في الأربعين، فإن قلتم بِجَواز الصلاة عَلَى قبورهم في الأربعين انتفى /297/ التخصيص، وإن قلتم بِمنعها سقط الاستدلال.

٢٬٧٤٣ / ٣٬٧٥٢