الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٧٢وَثَانِيهِمَا: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - : «صَلاَتُكُم مَعرُوضَةٌ عَلَيَّ»، وقوله: «أَنَا أَوَّلُ مَن تَنشَقُّ عَنهُ الأَرضُ» ينافيان حديث البيهقي؛ لأَنَّ الأرض تنشقّ عنه بعد انقضاء الدنيا وحين قيام الآخرة، وإن الصلاة تعرض عليه، فهذا يَدُلُّ عَلَى بقائه في الأرض قبل الأربعين وبعدها، وَاللهُ أَعلَم.
التنبيه السادس: في الصلاة عَلَى الغائب
وقد اختلف فيها: فأجازها جُمهور السلف حَتَّى قال ابن حزم: وَلَمْ يأت عن أحد من الصحابة منعه. وقد «صَلَّى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى النجاشي بالْمَدينَة» وكان قد مات بأرض الْحبشة. وصَلَّى موسى بن أبي جابر عَلَى الربيع بإزكي حين بلغه موته بالبصرة.
وَحُجَّة الْمُجَوِّزين: صلاته - صلى الله عليه وسلم - عَلَى النجاشي وعلى معاوية بن معاوية الْمزني. ففى حديث أنس بن مالك قَالَ: "نزل جبريل عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا مُحمَّد مات معاوية بن معاوية الْمزني، /298/ أتُحبّ أن تُصَلِّي عليه"؟ قال: «نعم»، قال: فضرب بِجناحيه فلم تبق أكَمَة ولا شجرة إِلاَّ تَضعضعت، فرفع سريره حَتَّى نظر إليه فصَلَّى عَلَيهِ وخلفه صفَّان من الْمَلاَئكة كُلّ صف سبعون ألف ملك، فقال: «يَا جِبرِيل بِمَ نَالَ هَذِهِ الْمَنْزِلَة؟» قالَ: "بِحبِّ ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وقراءته إِيَّاها جَائيا وذاهبا وقائما وقاعدا وعلى كُلّ حال".
وأجاب الْمَانِعون عن قصَّة النجاشي: بأَنَّه كان بأرض لَمْ يصلّ عَلَيهِ بِهَا أحد فتعيَّنت عَلَيهِ الصلاة لذَلِكَ، أو أَنَّه خاص بالنجاشي لإرادة إشاعة أَنَّه مات مُسلما، أو استئلاف قلوب الْملوك الذين أسلموا في حياته، فليس ذَلِكَ لغيره، أو أَنَّه كُشِف له - صلى الله عليه وسلم - عنه حَتَّى رآه وَلَمْ يره الْمَأمُومون، ولا خلاف في جوازها عَلَى هذا الْحال.