معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (حسب الكتب) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الكتاب 3 في الجنائز

الجزء ٨ · صفحة ١٧٣

وأجابوا عن قصَّة معاوية: بأَنَّها ليست صلاة عَلَى غائب بل عَلَى مشاهد؛ لأَنَّ الْحُجُب قد رُفِعت حَتَّى شاهد جنازته، وهذا جواب قوي.

وأَمَّا الْجَوَاب الأَوَّل: فقد تعقّب بأَنَّه يَحتاج إِلَى /299/ نقل ولا يثبت بالاحتمال، قال ابن العربي: قالت الْمالكية: ليس هَذَا إِلاَّ لِمُحمَّد - صلى الله عليه وسلم - .

قُلنَا: وما عمل به - صلى الله عليه وسلم - تعمل به أمته؛ لأَنَّ الأصل عدم الْخُصوصيَّة.

قالوا: طويت له الأرض وأحضرت الْجَنازَة بين يديه.

قلنا: إن رَبَّنا لقادر، وإن نبيَّنا لأَهلٌ لِذَلِكَ، ولكن لا تقولوا إِلاَّ ما رأيتم، ولا تخترعوا من عِند أنفسكم، ولا تُحدِّثوا إِلاَّ بالثابتات، ودعوا الضعاف فإِنَّه سبيل تلاف إِلَى ما ليس له تلاف. هَذَا كلامه.

ثُمَّ طلب الْمَانِعون النقل في ذَلِكَ فلم يجدوا إِلاَّ ما في أسباب النزول للواحدي بغير إسناد عن ابن عَبَّاس قال: "كشف للنبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - عن سرير النجاشي حَتَّى رآه وصَلَّى عليه"، ولابن حبان من حديث عمران بن الحصين: «فَقَامَ وَصَفُّوا خَلْفَهُ وَهُمْ لاَ يَظُنُّونَ إِلاَّ أَنَّ جَنَازَتَهُ بَيْنَ يَدَيهِ».

والْجَوَاب: أن قوله: "لا يظنون… إلخ" لا يَدُلُّ عَلَى الْعِلم بالكشف؛ بل غاية ما فيه الإخبار عن ظنِّهم. وأَمَّا خبر ابن عَبَّاس /300/ -إن صحَّ- فهو إخبار عن علم، لكن بقي الكلام في الصفوف الذين وراءه فإِنَّه لَمْ يكشف لَهُم مثل ما كشف له فصحَّت الصلاة منهم عَلَى الغائب.

احْتَجَّ الْمَانِعون: بأَنَّه لو جازت الصلاة عَلَى الغائب لصَلَّى -عليه الصلاة والسلام- عَلَى من مات من أصحابه، ولصَلَّى الْمُسلِمون شرقا وغربا عَلَى الخلفاء الراشدين وَلَمْ ينقل ذَلِكَ.

قُلنَا: الْجَواز لا يستلزم الوقوع في كُلّ مقام وَكُلِّ موطن، وقد وقع ما يَدُلُّ عَلَيهِ من قصَّة النجاشي، والتكرار غير لازم، وَاللهُ أَعلَم.

٢٬٧٤٥ / ٣٬٧٥٢