الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ١٧٧قال: وكذَلِكم لَمْ يصلِّ أحد من الأئمة بعده - صلى الله عليه وسلم - ، وعن جابر «أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ فِي قَتلَى أُحُد بِدَفنِهِم بِدِمَائِهِم، وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيهِم».
وَأُجِيب: بوجهين: أَحَدُهُما: أن خبر جابر نفي، وشهادة النفي مردودة مع ما عارضها من خبر /306/ الإثبات.
وردَّ: بأن شهادة النفي إِنَّمَا ترد إذا لَمْ يُحط بِهَا علم الشاهد، وَلَمْ تكن بِحضوره، وَإِلاَّ فتقبل بالاتِّفَاق، وهَذِه قضية معينة أحاط بِهَا جابر وغيره علما.
والوجه الثاني: أن الصلاة عَلَى الشهداء قد وردت من غير هذا الْحدِيث، ففي حديث عقبة بن عامر: «أنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى عَلَى قَتلَى أُحُد بَعدَ ثَمَاني سِنينَ صَلاته عَلَى الْمَيِّت»، وهذا حديث لا يُمكنهم دفعه؛ لأَنَّه من رواية الشيخين، وجاء «أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - صَلَّى عَلَى أعرابي في غزوة أخرى» فدلَّ هذا عَلَى ثبوت الصلاة عَلَى الشهداء.
وأيضا: فالصلاة عَلَى كُلّ مسلم ثابتة إِلاَّ ما قام الدليل عَلَى تَخصيصه فيكون مقويا للأخبار الْمَذكُورة.
وأَمَّا قول السهيلي: إنَّه لَمْ يصلِّ أحد من الأئمَّة عَلَى الشهداء بعده - صلى الله عليه وسلم - فدعوى تحتاج إِلَى بيِّنة، فإِنَّه لَمْ ينقل قضية تركوا فيها الصلاة عَلَى شَهِيد البتَّة.
فإن قيل: لا يَحتاج النافي إِلَى بينة؛ لأَنَّ الأصل /307/ في الأشياء العدم، وَإِنَّمَا يحتاج إليها الْمثبت؛ لأَنَّه أثبت حكما زائدا عَلَى الأصل.
قُلنَا: ليس هذا الأصل عَلَى إطلاقه وَإِنَّمَا هو في الْمعدومات خاصة، أَمَّا الْمَوجُود فإن الأصل فيه الوجود حَتَّى يَصِحّ عدمه، ومن الْمَعلُوم أن الصلاة عَلَى الْمَيِّت الْمُسلِم ثابتة إِجْمَاعًا، فادِّعاء زوالها عن بعض الْمُسلِمين مُحتَاج إِلَى دليل، وَاللهُ أَعلَم.
ذكر سنن الْجَنازَة عِندَ حَملها ودفنها