الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢١٧ما ذكرته من لطم الْخدود وشقِّ الجيوب وما بعدهما مُحرَّم عِندَ الْمصيبة بإجماع الأُمَّة كان معه بكاء أو لَمْ يكن؛ لأَنَّه علامة عَلَى سخط القضاء. ويقاس عَلَيهِ كُلّ ما كان كتسويد الوجه وإلقاء الرماد عَلَى الرأس /370/ والدعاء بالويل والثبور (أي: الهلاك)، وَكُلُّ شيء فيه تغيير للزيِّ كلبس ما لا يعتاد لبسه أصلا، أو لا يعتاد عَلَى تلك الصفة، كترك شيء من لباسه، والْخُروج بدونه عَلَى خلاف العادة.
قَالَ بَعضُهم: وقد ابتلي كثير من الناس بتغيير الزي مع ما تقرَّر من حرمته؛ بل كونه كبيرة وفسقا قياسا عَلَى تلك الْمَذكُورات وإن كَانَت أفحش منه؛ لأَنَّهم عللوها بما يعمّ الكلّ، وهو أن ذَلِكَ يشعر إشعارا ظاهرا بالسخط وعدم الرضا بالقضاء، وَاللهُ أَعلَم.
الأمر الثالث: في النياحة والندب
والفرق بينهما: أن الندب: بتعديد مَحاسن الْمَيِّت ك"واجبلاه"، والنوح: رفع الصوت بالندب، ومثله: إفراط رفعه بالبكاء وإن لَمْ يقترن بندب ولا نوح. وَقِيلَ: النوح أن تقول الْمَرأَة وتأخذ عليها غيرها.
والندب بلا بكاء مُختلف في جوازه، والنوح مُجتمع عَلَى تَحريمه، وفي حديث أبي مالك الأشعري قال: قال /371/ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - : «أَربَع فِي أُمَّتِي مِن أَمرِ الْجَاهِليَّة لاَ يَترُكُونَهنَّ: الفَخرُ في الأَحسَابِ، وَالطَّعنِ فِي الأَنسَابِ، وَالاستِسقَاءِ بِالنُّجُومِ، وَالنِّياحَةِ»، وقال: «النائحة إذَا لَمْ تَتُب قبلَ مَوتِها تُقَام يَومَ الْقِيَامَةِ وعَليهَا سِربَالٌ مِن قَطِرَانٍ ودَرعٍ مِن جَربٍ».
وعن ابن عَبَّاس - رضي الله عنه - قال: "لَمَّا افتتح رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - مكَّة رنَّ إبليس رنَّةً اجتمعت إليه جنوده، فقال: إيأسوا أن تردُّوا أمَّة مُحمَّد إِلَى الشرك بعد يومكم هذا، ولكن أفتنوهم في دينهم وأفشوا فيهم النوح".