الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٢٤أَحَدُهَا: قول الْجُمهُور وهو أن الْمعذّب بذَلِكَ من أوصى /381/ بأن يبكى عَلَيهِ ويناح بعد موته فنفذت وصيته؛ لأَنَّه كان بسببه وهو منسوب إليه، قالوا: فأَمَّا إن بكى عَلَيهِ أهله وناحوا من غير وصيَّة فلا يعذّب لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، قالوا: وكان من عادة العرب الوصيَّة بذَلِكَ، ومنه قول طرفة بن العبد:
… إذَا مِتُّ فَابكِينِي بِمَا أَنَا … أَهلُهُ … وَشقِّى عَلَيَّ الْجيبَ … يَا أُمّ مَعبَد
قالوا: فَخرج الْحَدِيث مطلقا حملا عَلَى ما كان معتادا لَهم، واستشكل بأن ذنب الْمَيِّت الآمر بذَلِكَ لا يَختلف عذابه بامتثالهم وعدمه.
وَأُجِيب: بأن الذنب عَلَى السبب يعظم بوجود الْمسبّب، وشاهده حديث: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً».
وثَانِيهَا: أَنَّه مَحمول عَلَى من أوصى بالبكاء والنوح أو لَمْ يوص بتركهما، فمن أوصى بهما أو أهمل الوصيَّة بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصيَّة بتركها، فأَمَّا من /382/ أوصى بتركهما فلا يعذّب بِهما؛ إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه.
وحاصل هذا القول: إيجاب الوصيَّة بتركهما، ومن أهملهما عذِّب بِهما، وذَلِكَ إذا كان النوح من سنَّته، كذا قال البخاري، ومعناه: إذا كان الْمَيِّت قد عوّد أهله أن يبكوا عَلَى من يفقدونه في حياته وينوحوا عَلَيهِ بِما لا يَجُوز، وأقرَّهم عَلَى ذَلِكَ فهو داخل في الوعيد وإن لَمْ يوص، فإن أوصى فهو أشدّ.
وثالثها: أَنَّ معنى الْحَدِيث أَنَّهم كانوا ينوحون عَلَى الْمَيِّت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذّب ِبها، كما كانوا يقولون: يا مرمِّل النسوان، أَو مُؤتِّم الولدان، ومُخرِّب العمران، ومفرق الأخدان، ونحو ذَلِكَ مِمَّا يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا.