الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٣٨وقد اختلف الناس فيهم: فكل من أنكر عذاب القبر أنكر وجودهما؛ [لأَنَّهما نوع منه]، وَكُلُّ من أثبته أثبتهما. وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر، وأنكروا تسمية الْملكين بِما مرَّ.
احْتَجَّ الْمنكرون: لوجودهما بأنه لا امتحان بعد الْمَوت، وأَنَّه لو جاز الامتحان في ذَلِكَ الوقت لَمْ يستحل أن يجيب كافر بالإيمان أو مؤمن بالكفر، وقد اجتمعت الأُمَّة عَلَى فساده.
والْجَوَاب: ليست هَذِه الفتنة بِمَنزلة التكليف في الدنيا، وَإِنَّمَا هي بِمَنزلة الحساب في الآخرة، وهيهات لا يجيب مؤمن بكفر ولا كافر بإيمان؛ لأَنَّه بِمَنزلة الإخبار عن حاله التي كان عليها في الدنيا لقول الْملكين: "كذَلِكَ كنت في الدنيا"، وأن الكافر يندهش فلا يدري بما يجيب عقوبة لكفره، وأن الْمُؤْمِن يثبته الله بالقول الثابت /404/ جزاء بِما كانوا يعملون.
احْتَجَّ من أنكر الاسم: بأن منكرا أو نكيرا اسمان قبيحان لا يَجُوز أن يُسَمَّى بِهما ملائكة الله الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، بل الْمنكر العمل السيئ، والنكير إظهار إنكاره.
والْجَوَاب: أن الشرع قد ورد بِهَذِهِ التسمية وَلَمْ نعرف الْجَائِز والممتنع إِلاَّ من جهته، فكيف لنا نَمنع شيئا أطلقه الشارع؟ وقد بينا وجه تَسمِيَّتهما بذَلِكَ، وأن الوجه فيها إنكار الكافر لَهما لكونه لَمْ ير صورة مثلهما، والعربية تتصرَّف والْمعاني كثيرة، فلا ينحصر المنكر في العمل السيِّء ولا النكير في اسم الإنكار.