الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٤٢وَلَعَلَّه مراهق، وضمُّ من لا ذنب له حُبّ.
قال: وكذا روى إبرَاهيم القنوي عن رجل قال: كنت عِندَ عائشة فمرَّت جنازة صبِيّ فبكت، فقلت لَها: ما يبكيك؟ فقالت: "هذا الصبي بَكيت مشفقة عَلَيهِ من ضمَّة القبر".
وعن أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا عُوفِيَ أَحَدٌ عَن ضَغطِ الْقَبرِ إِلاَّ فَاطِمَة بِنت أَسَد»، قيل: يا رَسُول الله: ولا القاسم ابنك؟ قال: «ولاَ إبرَاهيم» - وكانَ أصغر من القاسم - قال: «وَلاَ تَضغَطُ الأَنبِيَاء».
وروي عن أنس: أَنَّه توفيت زينب بنت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وكَانَت امرأة /409/ مسقامة، فتبعها رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فساءنا حاله، فَلَمَّا انتهينا إِلَى القبر فدخله التمع وجهه صفرة، فَلَمَّا خرج أَسفر وجهه، قُلنَا: يا رَسُول الله، رأينا منك شأنا فمِمَّ ذَلِكَ؟ قال: «ذَكَرتُ ضَغطَةَ الْقَبْرِ عَلَى ابنَتِي فَأَتَيتُ فَأُخْبِرتُ أَنَّ اللهَ قَد خَفَّفَ عَنهَا، ولَقَد ضُغِطَت ضَغطَة سُمِعَ صَوتُهَا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنَ». هذا كلامه -رحمة الله عليه-، وفيه إثبات الضغطة والعذاب غير الدائم للمؤمن تَمحيصا للذنوب.
وبيان ذَلِكَ: أَنَّه جعل القبر من توابع الدنيا، والقائلون: بأَنَّه لا يعذّب فيه الْمُؤْمِن - وهو قول أصحابنا ومن تقدّم ذكره من غيرهم - جعلوا القبر من الآخرة، وأن الْمُؤْمِن لا عذاب عَلَيهِ في الآخرة.
وبنى القطب عَلَى قوله: هَذَا جواز الدعاء للمتبَرَّأ منه غير الْمنصوص عَلَيهِ بزوال عذاب القبر، وأن الدعاء بعذابه لا يكفي في البراءة، أخذا مِمَّا صحّ «أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - مرَّ عَلَى إِنسَانَينِ يُعذَّبَانِ فِي قَبْرَيهِمَا، أَحَدُهُما بالنَّمِيمَةِ، وَالآخَر بِعَدمِ /410/ الاِستِبرَاءِ مِنَ البَولِ» فَجعل عَلَى قبر كُلٍّ منها كسرة من جريدة، كسرها كسرتين رجاء للتخفيف عنهما ما لَمْ تيبسا.