الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٤٣وفيه: أن طلب التخفيف بِجعل الْجريدتين ليس كطلبه الدعاء، فَإنَّهُ لا قائل: إِنَّ جعل ذَلِكَ عَلَى القبر ولاية، بِخلاف الدعاء فلا يَدُلُّ عَلَى الْمَطلُوب.
وأيضا: فالصلاة عَلَى الْمَيِّت أشدّ من جعل الْجريدة عَلَى قبره، وليست ولاية إِجْمَاعًا.
ثُمَّ إن ما ذكره من أحاديث الضغطة عَلَى الصَّبِيّ ناقض لِما قرَّره أَوَّلا من أَنَّها تكون للمؤمن تَمحيصا للذنوب، إذ لا ذنب للصبي. وأَمَّا حَمله ذَلِكَ عَلَى الْمراهق فيناقضه حديث أنس في أَنَّه لَمْ يعاف منها القاسم ولا إبرَاهيم، وكان إبراهيم قد مات وهو ابن ثَمَانية عشر شهرا، فينبغي أن يطلب الْجَمع بين الأحاديث إن صحَّت.
والوجه الْجامع بينهما: أن تجعل الضغطة نوعين: إِمَّا تَمحيصا، وَإِمَّا حبا.
فالأَوَّل: يكون لِمَن قارف ذنبا صغيرا ومات وَلَمْ يفعل ما يكفّر به.
والثاني: لِمَن مات موفِّيا بِجَمِيع /411/ الأوامر، أو مات صبيا لَمْ يقارف ذنبا.
فبِهَذَا يتهيَّأ لك الْجمع بين الأحاديث، ولا علم لي بصحَّتها فأكِلُ أمرها إِلَى الله تَعَالَى، وأعتقد صدق ما جاء به الرَّسُول - صلى الله عليه وسلم - جملة وتفصيلا، وَاللهُ أَعلَم.
الأمر الرابع: فيمن يقع عَلَيهِ سؤال القبر
وقد اختلفوا في ذَلِكَ:
فقال عبيد بن عمير (أحد كبار التابعين): إِنَّمَا يفتن رجلان: مؤمن، ومنافق. وأَمَّا الكافر فلا يسأل عن مُحمَّد ولا يعرفه. والصَّحِيح أَنَّه يسأل لِما ورد في ذَلِكَ من الأحاديث المرفوعة الصَّحِيحة الكثيرة الطرق، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿ يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ﴾.
واختلف قومنا في سؤال الطفل الذي لا يُميِّز: فجزم القرطبي أَنَّه يسأل وهو منقول عن الْحَنفيَّة، وجزم غير واحد من الشافعية أَنَّه لا يسأل.