الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٤٦وجاء عن ابن عَبَّاس: أن العذاب يرفع عن أصحاب الْقُبُور فيما بين النفختين، فإن نفخ في الصور النفخة الآخرة قاموا فحسبوا أَنَّهم كانوا نياما فذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا﴾ قالت لهم الْمَلاَئكة: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾.
وَقِيلَ: إنَّ العذاب يرفع عنهم كُلّ يوم جمعة وَكُلَّ رمضان بِحرمة النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ، وَاللهُ أَعلَم.
الأمر السادس: في الْمعذّب في القبر أهو الْجَسَد أم الروح؟!
فقد اختلف /416/ الناس في ذَلِكَ: فمنهم من قال: إن العذاب عَلَى الروح دون البدن، فهَؤُلاَء يقولون: إن الْمُؤْمِنين تَجد أرواحهم لذَّة النعيم وهم في قبورهم قبل دخولهم الْجَنَّة، وأرواح الكافرين في سجِّين.
وَلَعَلَّ هَؤُلاَء يَحْتَجُّون: بِما جاء "أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الْجَنَّة وتأوي إِلَى قناديل تَحْتَ العرش".
قُلنَا: هَذِه خاصَّة بالشهداء فإِنَّهم لا يفتنون في قبورهم كما تقدّم. سَلَّمنا، فقد قيل: إن للأرواح مع ذَلِكَ اتِّصالا بالبدن وهو يلتذُّ بنعيمها.
وَمِنهُم من قال: العذاب عَلَى البدن دون الروح. وقد اختلف هَؤُلاَء في صفة ذَلِكَ:
فقَالَ بَعضُهم: تُملأ عظامهم أفزاعا وأهوالا كما يرى النائم في منامه.
وقالت طائفة من الكرامية والمعتزلة: إِنَّ /417/ الله يعذِّب الْمَوتى في قبورهم ويحدث فيهم الألم وهم لا يشعرون، فإذا أحيوا بعد ذَلِكَ وجدوا تلك الآلام، قالوا: كالسكران إذا ضرب فإِنَّه يحسُّ بألَمه بعد إفاقته.
وقال صالح قِبَّه: يَجري عذاب القبر من غير ردِّ الأرواح إِلَى الأجساد؛ لأَنَّ الْمَيِّت يَجُوز أن يُحسّ ويألَم.
ولا دليل عَلَى شيء من هَذِه الأقوال إِلاَّ الظنّ والتخمين، وإِنَّهما مُخالِفة لظاهر النصوص، وقول صالح قِبَّه مُخالِف للضرورة.