الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٤٨قال في الْمعالِم: "وقد ورد السمع به فوجب اعتقاد ظاهره ولا حاجة إِلَى تكلُّف تأويله، والله تَعَالَى عَلَى كُلّ شيء قدير. قال: فإن قالوا نَحن نرى من ندفنه عَلَى حاله ونعلم بالضرورة كونه مَيِّتا. قُلنَا: هذا يؤذن من قائله بعدم طمأنينة إِلَى الإيمان، وهو بمثابة استبعاد الكفرة حشر العظام البالية، ومن يُسَلِّم اختصاص الرَّسُول برؤية الْملك دون القوم وتعاقب الْمَلاَئكة فينا، وقوله تَعَالَى في إبليس -لعنه الله وجنوده-: /419/ ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ…﴾ الآية، لا شكّ في التصديق بذَلِكَ، كيف والنائم يدرك أحوالا من السرور والغموم والألم في نفسه؟! ونحن لا نشاهد ذَلِكَ منه، والبرزخ أَوَّل منزل من منازل الآخرة وفيها تغيير العادات وخرقها، فيصحُّ أن يكون الْمَيِّت حال مشاهدتنا له والقبر حال نظرنا إليه عَلَى غير الحالة التي نشاهدها وَلَمْ تشعر بشيء مِمَّا هنالك، والأمر بيد الله تَعَالَى يظهر ما يشاء ويحجب ما يشاء، ومن تأمَّل في عجائب ملكه وملكوته وغرائب قدرته وجبروته لَمْ يستبعد أمثال ذَلِكَ، فضلا عن الاستحالة"، هذا كلامه وهو في غاية من الْحسن، وَالله أعلَم.
تنبيه:
ليس في إحياء الأطفال في قبورهم خبر مقطوع به، وظاهر الْخبر عَلَى التعميم، إِلاَّ أَنَّه لاَبُدَّ في ذَلِكَ من تكميل فهمهم ليعرفوا بذَلِكَ سعادتهم وشقاوتهم عَلَى رأي.
وقال سعيد بن الْمُسيّب: صلَّيت وراء أبي /420/ هريرة عَلَى صبي لَمْ يعمل خطيئة قطّ فسَمِعته يقول: "اللَّهُمَّ أَعِذه من عذاب القبر".
قال القاضي: يَحتمل أن يكون أبو هريرة اعتقد شيئا سمعه من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من أن عذاب القبر أمر عام للصغير والكبير.
وقال ابن عبد البر: ولو عذَّب الله عباده أجمعين كان غير ظالِم لَهم؛ لأَنَّه لا يسأل عمَّا يفعل وهم يسألون.