الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٥٦وسببُ هَذَا الاختِلاَفِ القراءتان المشهورتان فِي آية الوُضُوء: قِراءة مَن قَرأ: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصبِ عَطفا عَلَى الْمَغسول، وقراءة من قَرأ: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفضِ عَطفا عَلَى الْمَمسوح وهُو الرأس، فمَن أوجبَ الغسل جَعل الأرجلَ مَعطوفة عَلَى الأيدي، وهِي قِراءة النصب، ومَن أوجبَ المسحَ جَعل الأرجلَ مَعطوفة عَلَى الرؤوس وهِي قراءة الْجرِّ، ومَن أوجبَ الجمعَ بَين الغسل والمسح نَظر إِلَى أَنَّ المفروض أَحَدُهُمَا ولَم يَتبيَّن لَه الْمُرَاد مِنهُما لاختِلاَفِ القراءتين فأوجَب الْحَالَين خُروجا من عهدة التَكلِيف؛ لأَنَّهُ لو فُعِل أَحَدُهُمَا لاحتمَل أن يَكُون الْمفروض الآخر، فأوجبَ الإتيان بالْحالين.
ومن جَعله مُخيَّرًا بينَ الْمَسح والغسلِ نَظر إِلَى اشتهارِ القراءتين معا، وأنَّ الأُمَّة لَمْ تَردّ واحدة مِنهُما، فرَأَى أَنَّهُ لو لَمْ يَكن الْفِعْلان جائزين لَوجب إِمَّا ردُّ إحدى القراءتين، أَو بَيَان الْمُرَاد من الآيَة، ولَم يَثبت معه بَيَان الْمُرَاد ولاَ وقَع الردُّ لشيء من القراءتين، فثبت عِندَهُ التخيير بين الحالين.
وكَلاَم الشيخ عَامر وغيره يُؤذِن بِتَسويغ الخِلاَف فِي الْمَسْأَلَة، لَكِنَّ الإمام أبا إِسحَاق ذكرهَا فِي الْمَسَائِل التي أجْمَع عَلَيها المسلمُون، قَالَ: وقَد خالفهم بَعض أَهْل الْقِبْلَة عنادا، فواسع جهل مَعرِفَة الأمر به وفرضِهِ قبل قيام الْحجَّة عَلَيه، فمَتى قامت الْحجَّة عَلَيه فِيه فَجهلَه بشكٍّ أَو جُحود كَانَ ضالاًّ مُنَافِقا.
قَالَ: مِثاله أن تقومَ الْحجَّة عَلَيه بأنَّ الله تَعَالىَ أمرَ بِغسل الرِّجلَين فِي الوُضُوء وفَرضه، فإن صدق وَإِلاَّ كَانَ ضالاًّ مُنَافِقا.