الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٦٩وَإِنَّمَا يُحرَم عنه كرامة للأحياء واحتراما للأموات، واقتصر العلاَّمة الصبحي عَلَى العِلَّة الأولَى، قال: وكذَلِكَ النهي عن الرعي في الْمقابر وغيره كرامة للأحياء، وإن الْمَيِّت لا يُحسّ بشيء من أمر الدنيا ولا يدركه، وَإِنَّمَا هو عظام رفات في البرزخ إِلَى النفخ في الصور.
وما تقدّم عن جابر بن زيد وغيره من القول بظاهر الْحَدِيث: «أنَّ الْمَيِّتَ يَسمَعُ قَرعَ نِعَالِ القَومِ عِندَ رُجُوعِهم مِن دَفنِهِ…» يُخالف ما ذكره ها هنا، وكأن قوله هذا مبيّنا عَلَى إنكار عذاب القبر، وَيَدُلُّ عَلَيهِ قوله في سَماع الصياح في القبر، قال: لا أقول بصحَّته /452/ وإن ثبت شيء من هذا فلَعَلَّه من زخارف الْجن.
وإذا ثبت أن للقبر حريما احتيج إِلَى بيان مقداره: فقيل: إن قدره ثلاثة أذرع فلا يحدث فيها شيء، وما نبت فيها فحكمه حكم النابت في الْمقابر، وَقِيلَ: ذراعان، وَقِيلَ: ذراع، وَقِيلَ: مرجعه إِلَى نظر العدول حيث لا مضرَّة فيه عَلَى القبر جاز الإحداث، وحيث الْمضرَّة امتنع، وَلَعَلَّ هَذِه القاعدة وهي دفع الْمضرَّة معتبرة في الأقوال السابقة، لكن اختلفت الأماكن.
فرأى بعضهم صلابتها في بلده فحدَّد بالذراع، ورأى آخر توسّطها فحدَّدها بالذراعين، ورأى الآخر سهولتها فأحرم بثلاثة، وَلاَبُدَّ من اعتبار هذا الْمَعنَى. ويُمكن أن يقال: إِنَّ القائلين بتحديد الْحريم لَمْ يراعوا هذا الْمَعنَى، وَإِنَّمَا جعلوا له ذَلِكَ لأجل الاحترام والكرامة ولو أمن الضرر.
وإنَّ اختلاف أَنظارهم إِنَّمَا كان في قدر ما يعدُّ أَنَّه حرمة وكراهة، وعلى هذا فينبغي أن يزاد /453/ في احترام التشريف التقيَّ ما لا يكون في قبر الوضيع الدنيء، وهذا الْمَعنَى مغروس في أذهان الْخَاصَّة والعامة، وَاللهُ أَعلَم.
الأمر السادس: في القبر إذا انْخَشف