الكتاب 3 في الجنائز
الجزء ٨ · صفحة ٢٨٢وقوله: «فَلَيسَ لَه عُذرٌ عِندَ الله» يَدُلاَّن عَلَى وجوب الزيارة، وهو خلاف الإجماع، إِلاَّ ما زعمته الصوفية من فرضية ذَلِكَ، ولا عبرة بِهِم ولا بقولهم؛ فلو صحَّت الروايتان وجبت الزيارة عِندَ الاستطاعة كوجوب الْحَجِّ، وزيارته - صلى الله عليه وسلم - في حياته لَمْ تَجِب، فكم من مؤمن في عصره لَمْ يره، فكيف تكون أشدّ في الوجوب بعد موته؟!
وأَمَّا ما يقال عِندَ السلام عَلَيه، فقد أكثر /474/ الناس من تَلفيق الكلام في ذَلِكَ والحال أَنَّهُ لَمْ يوجد نصّ فيه.
وأقول: إن السلام عَلَيهِ مَيِّتا ليس بأشدّ من السلام عَلَيهِ حيًّا، فلا ينبغي أن يزاد عَلَى ما كانت الصحابة يُحيُّونه به في حياته مع أن حالة الْحَياة أوسع والْمُسلِمون بعد موته أكثر.
فالأنسب في التسليم ما كان من الألفاظ أخصر. قال نافع: كان ابن عمر [وقد] رأيته مائة مرَّة أو أكثر يَجئ إِلَى القبر فيقول: "السلام عَلَى النَّبِيّ، السلام عَلَى أبي بكر، السلام عَلَى أبي" وينصرف.
وقال أبو أمامة: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فَوقف فرفع يَديه حَتَّى ظننت أَنَّه افتتح الصلاة، فسلَّم عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ثُمَّ انصرف.
وسُمع أعرابي عِندَ قبر النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: "بأبي أنت وأمِّي، قد كان فيما حفظناه عنك وقبلناه منك ما حكيت لنا عن رَبِّك، إِنَّه يقول وقوله الْحَقُّ الْمبين: /475/ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾، وقد أتيناك مقرّبين بذنوبنا ظالمين؛ لأَنفسنا فَنستغفر الله ونسألك أن تستغفر لنا"، انتهى.