الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٥فإن قيل: إن الله تَعَالَى أمره بإخراج الصدقة فكيف لَمْ يقبلها منه النَّبِيّ -عليه الصلاة والسلام-، ولا الخلفاء من بعده؟
أُجِيبَ: بأَنَّه منع من قبولِها كما يَدُلُّ عَلَيهِ قوله - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ اللهَ مَنَعَنِي مِن قبولِ ذَلِكَ» فالْمَنع خاص بثعلبة إهانة له لِيعتبر غيره به، فهي عقوبة له في الدنيا عَلَى ما أخلف الله فيما وعده، ويَحتمل أَنَّه أتى بِها عَلَى وجه الرياء لا عَلَى وجه الإخلاص، واطَّلع النَّبِيّ -عليه الصلاة والسلام- عَلَى ذَلِكَ /7/ بالْعِلم الإلَهي، ويَحتمل غَير ذَلِكَ.
احْتَجَّ القائلون بأَنَّها فرضت قبل الْهِجرَة بآيتين:
إِحْدَاهُمَا: قوله تَعَالَى في سورة المزمل وهي مكية: ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
أُجِيبَ: بأن آخر السورة مدني.
والثانية: قوله تَعَالَى في سورة الأنعام وهي مكية أيضا: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾، وقد قال ابن عَبَّاس: يريد به «العُشْرُ فِي مَا سَقَت السَّمَاءُ، وَنِصفُ العُشرِ فِي مَا سُقِيَ بِالدَّوالِي»، وهو قول ابن الْمُسيّب والْحسن وطاوس والضحاك.
واعتُرِضَ بثلاثة وجوه: أحدها: أن آية إيجاب الزكاة وهي قول تَعَالَى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ مدنية اتِّفَاقا.
وثَانِيهَا: أن قوله تَعَالَى: ﴿ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ مدنية وإن كانت في سورة مكية.
وَثَالِثُهَا: أن إيتاء الحق مجمل يَحتمل أن يكون الزكاة، وأن يكون غيرها من الْحُقُوق، وقد قيل: إِنَّه غيرها، فقد قال مُجَاهِد: إذا حصدت فحضرت الْمساكين فاطرح لَهُم منه، وإذا دُستَه وذَرَيته فاطرح لَهُم مِنه، وإذا كَربلته فَاطرح لَهُم منه، وإذا عرفت كيله فاعزل زكاته، قال ابن جبير: إن هذا كان قبل وجوب الزكاة ثُمَّ نسخ بوجوبها.