الكتاب 1 في الطهارات
الجزء ٢ · صفحة ٥٩احتَجَّ الْمخالف عَلَى وُجُوب المسحِ بظاهر الآيَة، فإنَّ ظاهرها عَطف الأرجل عَلَى الرؤوس، وذَلِكَ يُوجِبُ المسح، قَالُوا: وكَذَلِكَ القراءة بالنصبِ تُوجِبُ المسح أَيْضًا، وذَلِكَ أَنَّ قَوله: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فَرؤوسكم فِي مَحلِّ نَصب ولَكِنَّها مَجرورة بالبَاء، فَإِذَا عطفت الأرجل عَلَى الرؤوس جازَ فِي الأرجلِ النصب عَطفا عَلَى مَحلِّ الرؤوس، والجرّ عطفا عَلَى الظَّاهِر، وَهَذَا مَذهَب مشهور للنحاة، فظهرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أن يَكُون عَامل النصبِ فِي قَوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هوُ قَوله: ﴿وَامْسَحُواْ﴾، ويَجُوزُ أن يَكُون هو قَوله: ﴿فاغْسِلُواْ﴾ لَكِن العاملين إِذَا اجتمعَا عَلَى مَعمول واحدٍ كَانَ إعمال الأقرب أولى، فوَجب أن يَكُون عامل النصب فِي قَوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هو قَوله: ﴿وَامْسَحُواْ﴾، فثَبت أَنَّ قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بنصبِ اللام تُوجِبُ المسح أَيْضًا.
قَالُوا: ولا يَجُوزُ دَفع ذَلِكَ بالأخبارِ؛ لأَنَّهَا بِأسرِهَا مِن باب الآحاد، ونسخ القُرْآن بِخَبر الواحدِ لا يَجُوزُ.
قُلْنَا: جَعلُ الأرجل فِي قراءة النصبِ مَعطوفة عَلَى مَحلِّ الرؤوس خِلاَف الظَّاهِر؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ عَطفها عَلَى الأيدي أَو الوجوه لاتِّفاق إعرابِها، والقاعدة فِي العاملين إِذَا تَوَجَّها عَلَى مَعمول واحدٍ إِنَّمَا /158/ هِي فِيما لَمْ يَقم دليلٌ أَنَّ الْعَمَل لأَحَدهِمَا، واتِّفاقُ الإعراب دلالة عَلَى الاشتراك فِي الْعَمَل، واختِلاَفُ الإعراب أمارة عَلَى اختِلاَفِ العاملين، فَإِذَا وجدنا منصوبا مقرونا بِمجرور فإن رَأينا للمنصوب مَنصوبا مثله يَصلح أن يَكُون عَطفا عَلَيه رددناه إِلَيه، وإن لَمْ نَجد ذَلِكَ جَعلناه معطوفا عَلَى مَحَلِّ الْمَجرور إن أَمكن.