الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ١٧فقالوا لأبي بكر لَمَّا سمعوا رأيه: أنت أفضلنا رأيا، ورأينا لرأيك تبع، فأمر أبو بكر الناس بالتجهز عَلَى المسير بنفسه لقتال أهل الردة، ثُمَّ أخروه وأخرج الجيوش عليهم الأمراء فقاتل الكل حَتَّى فاؤوا إِلَى أمر الله، فكان ذَلِكَ إجماعا منهم عَلَى قتال مانعي الزكاة. ثُمَّ اختلف العُلَماء في هَؤُلاَء المانعين:
فمنهم من قال: مشركون. ومنهم: من لَمْ /22/ يشركهم بذَلِكَ.
ثُمَّ اختلف الْمُشَرِّكون في علة الشرك:
فقال أبو مُحَمَّد: إِنَّهم جحدوا فرضها فكانوا بذَلِكَ مشركين.
والْجَوَاب: أَنَّه لو صح هذا ما خالف فيه أحد.
وقال آخرون: إن الامتناع من إيتاء الزكاة يوجب الكفر بنفسه، واحْتَجُّوا بذَلِكَ بقوله تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ…﴾.
ووجه الاِحتِجَاج: أَنَّهم قالوا: إِنَّه تَعَالَى ذكر منع الزكاة بين صفتين كلاهما شرك:
إِحْدَاهُمَا: قوله تَعَالَى: ﴿ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ﴾، والثانية: قوله تَعَالَى: ﴿ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾، فلو لم يكن منع الزكاة من خصال الشرك لَما كان لذكرها بين خصاله معنى؛ لأَنَّ بلاغة الكلام متوقفة عَلَى مراعاة المناسبة بين أجزائه، قالوا: ثُمَّ أكد ذَلِكَ أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - حكم بكفر مانعي الزكاة.
والْجَوَاب عن الأَوَّل: لا نُسَلِّم أن المناسبة في أجزاء الكلام متوقفة عَلَى جعل جَمِيع أحواله متحدة في الموجب؛ بل يَجُوز أن يكون وجه المناسبة غير ذَلِكَ مع اختلاف الموجب كما وقع في قوله تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلاَ يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ *﴾، ومن الْمَعلُوم أن دع اليتيم وترك الحضّ عَلَى طعام المسكين ليس من الشرك في شيء.