الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٢٠وإذا تأملت آيات الكتاب العزيز وأحوال السنَّة النبوية ظهر لك من لحن الْخطاب تحريم التواني في أدائها، وأن المتواني بعد الإمكان عاص، وليس هو بِمَنزلة من توانى في الأمر المطلق؛ لأَنَّ تأكيد الزكاة والتشديد فيها يؤكد الفورية فيها، وهذا الْحَال لم يوجد في الأمر المطلق، فنحن إِنَّمَا نقول بوجوب التعجيل عِندَ الإمكان بانضمام أحوال مع الأمر بالأداء لا بنفس الأمر حَتَّى يلزمنا القول بجعل الأمر للفور.
ثُمَّ إن تأملت ما يترتب عَلَى التأخير من المفاسد الدينية /26/ والدنيوية ظهر لك رجحان القول بوجوب التعجيل؛ لأَنَّ المرء لا يدري متى يموت، فإذا عاجله الْمَوت قبل الأداء بقيت زكاته في عنقه، فإن أوصى بها انتقل حال السعة الذي كان للهالك إِلَى الوصي فيسعه من التأخير ما وسع الأَوَّل حَتَّى يحضر الْمَوت، ثُمَّ يموت والوصيَّة في عنقه. فإن أوصى بها أيضا وسع الوصي الآخر ما وسع الوصي الأَوَّل، وهكذا فيفضي الْحَال إِلَى تعطيل الزكاة رأسا، وكفى بها مفسدة عظيمة. وهذا الْمَعنَى نبه عَلَيهِ شيخنا الصالح -رحمة الله عليه - فظهرت لنا به أكبر الْمصالح.
فأَمَّا ما أجبت به في المشارق فذَلِكَ أمر مَبنِيّ عَلَى التوسعة الدينية، وهذا أمر عائد إِلَى سياسة العالم، ومراعاة صلاحيتهم في الدين والدنيا، وإن الفقيه المفتي كالطبيب الماهر يصف للعلَّة الواحدة إذا كانت في أشخاص متعددة أدوية مختلفة، فقد يصلح هذا ما يفسد هذا، وَاللهُ أَعلَم.
تنبيه: في معاملة مانع الزكاة
وذَلِكَ أن مانع الزكاة لا يشترى منه شيء مِمَّا فيه الزكاة، ولا يبايع بشيء من ذَلِكَ، ولا يتوكل له، ولا يعمل معه؛ لأَنَّه متصرف في غير ماله. وهذا كُلّه عَلَى قول من جعل الزكاة شريكا، ويعامل عَلَى قول من جعلها في الذمة، /27/ فإذ باع غلته التي فيها الزكاة:
فَقِيلَ: لا يَجُوز بيعها جَمِيعها وإِنَّمَا يَجُوز بيع تسعة أعشارها، وهو حق الْمَالك.