الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٥٩والْجَوَاب عَلَى الثَّالث: لا نُسَلِّم أَنَّها عبادةٌ مَحضَةٌ، بل نقول إِنَّها عبادةٌ فيها مُؤنَة تَصِحُّ نِيابَةُ الغَيْر فيها.
قال أبو مُحمد: في الزَّكاة معنيان:
أَحَدُهُما: حقٌّ يَجِب للفُقراءِ، والآخرُ: حقٌّ يَجِب عَلَى الأغنياء، فمن زال عنه الْخطابُ من الأغنياء لَم يكُن زوال الفَرض عنه مُبطِلًا لِما وجَب لِغَيره في ماله.
وأَمَّا ابن الْمُسيّب فإِنَّه قاس الزَّكاة عَلَى الصَّلاة والصَّوم، بِجَامع أنَّ الكُلَّ عِبادَة.
والْجَوَاب: أَنَّه قِياسٌ مع الفارق، وذَلِكَ أنَّ الصَّلاةَ والصَّوم عبادةٌ مَحضةٌ، وبَدنِيَّةٌ خَالِصةٌ، وأنَّ الزَّكاةَ عبادةٌ فيها مؤنةٌ، وهي ماليَّةٌ خَالصَةٌ فلا تُقاسُ العباداتُ الْمَاليَّةُ عَلَى البَدنِيَّة، ولا الَّتِي فيها مُؤنَة عَلَى الْمُجرَّدَةِ من الْمُؤنَة، مع أنَّ العِلَّة وَالْحكمة مُختَلِفة؛ فالصَّلاةُ والصَّومُ لا تُعقَلُ لَهُما عِلَّةٌ، وقد يُقال في الزَّكاة إنَّ علَّةَ وجُوبِها سَدُّ حاجة الْمُحتَاج من أهل الإسلام، وشدُّ نظامهم عَلَى التَّمام، وأنَّ الذي لا تُعقَلُ عِلَّتُه لا يُقاس عليه، ثُمَّ إنَّ الصَّلاةَ والصَّومَ غيْرَ واجبَيْن عَلَى الصَّبِيّ، وَإِنَّمَا أُمِر بِهما تَمرِينًا عَلَى شعائرِ الإسلام، وليس عَلَيهِ في ذَلِكَ مُؤنَة، بِخِلاَف الزَّكاة فإِنَّها لو لَم تكُن واجبةً ما جاز أَخذُها من ماله، فلا يَصِحُّ تَجوِيزُ الأَخذِ عَلَى طريق التَّمرِين بِخِلاَف الصَّلاة والصَّوم.
وأَمَّا أصحاب الرَّأيِ /68/ فهم بعينهم أصحابُ أبي حنيفة من أهل العراق، واستدلالُهم عين الاستدلال الأَوَّل، والْجَوَابُ هو الْجَوَابُ، وَاللَّه أَعلَم.
وهاهنا فروع تتفرَّع عَلَى هَذِه الْمَسأَلَة:
الأَوَّل: في إخراجها من مال اليتيم
وقد اختلف القائلون بوجوبِها في ماله: