الكتاب 4 في الزكاة
الجزء ٩ · صفحة ٦٢فالقائل الأَوَّل لاحظ معنى الْمَال كي لا يُضيَّع، وأبو معاوية لاحظ معنى الفرض كي لا يُؤدَّى عَلَى غير يقين، وَالله أَعلَم.
الفرع الثالث: في أخذها من القائم [عَلَى اليتيم]
وذَلِكَ أنَّ للإمام أن يَحكُمَ في الأخذ والتَّرك إِلَى البلوغ، فإذا حكم /71/ بوُجوب تسليمها كان عَلَى القائم تسليمُها إليه لوجوب طاعته، وقد كان أيِمَّة الْمُسلِمين يأخذونَها من أموال اليتامى أيضا.
وإن جاء رجل إِلَى الوالي بزكاة، فقال: إنّ هَذِه الزّكاة عن يتيم عِندِي -وكان ذَلِكَ الْمَال مشهورا- أخذها منه، وإن قال: هذا الْمَالُ لِيَتيم أخذ بإقراره وزكّى في مَحلِّه.
وإن قال: إِنَّه قد خلا له عشر سنين لَم يُزك، فلا يُؤخذ بقوله هاهنا في زكاة ما مضى، ويؤخذ بإقراره في الْمَال الذي في يده؛ وذَلِكَ لأَنَّ قولَه "لَم يُزكّ" إقرارٌ بتضييع زكاته، عَلَى قول من أوجب عَلَيهِ أن يُزكي، فهو كمن قال: أنا نَجَّستُ هذا الْمَاء لغير معنى، فإن قوله ذَلِكَ ليس بِحُجّة؛ لأَنَّه عاص بتنجيس الطّاهر لا لِمَعنَى.
وقال الزاملي: إذا كان القابض غير ثقة فليس للمُصدّق أن يصدقه أَنَّه مال يتيمٍ، وأنّ الزكاة قد وجبَت فيه ما لَم يعلم صدق ذَلِكَ، وإن قال: هذا التمر زكاةٌ عن مال اليتيم، ولَم يقل: إِنَّه من ماله جاز أخذه.
ووجهه: أنّ غير الثِّقة ليس بِحُجَّةٍ في مال غيره، وإن كان حجّةً عَلَى الإقرار بِما في يده، لكن قوله "إنّ في هذا الْمَال زكاة" غير الإقرار به.
وأَمَّا دفعُ التّمر عن زكاة اليتيم فليس إقرارا بأَنَّه منه، فلذَلِكَ جُوِّز أخذه.
وقال الْمُحقّق الْخليلي: إن كان ثقةً، أو أمينا، جاز الأخذُ عَلَى قول /72/ من أجازها من ماله.
ووجهه: أنّ الْمَقصُود سكونُ النّفس إِلَى صدقه، وأنّ صدق الأمين في ذَلِكَ حاصل في النّفس.